معارج الحب ومدارجه.
قراءة في الافتتاحية السردية لمزدوجة أبي العباس أحمد بن محمد المقري الأندلسي.
تقديم:
إذا كان النقاد المحدثون يستبعدون ركوب الشعر العربي للسرد القصصي، فذلك لطبيعة الشعر نفسه بنية وشكلا، من حيث الاقتصاد اللغوي،وضرورة الوزن والقافية من جهة، والتفات الشعر إلى الغنائية الذاتية من جهة ثانية. كأن يروا القص على الأعراف الأدبية الحديثة ما احتوته القصة والرواية وحسب. وتلك مقايسة فيها كثير من الإعنات للشعر العربي، واتهامه بالخلو من القصص. بيد أن المتفرس في الشعر العربي قديمه وحديثه، يجد آثار القص واضحة في صلب كل قصيدة. وكأن القصيدة، حتى وهي تتابع الفكرة المجردة لا تعدم انتهاج سبيل السرد الذي يجعل الفكرة في متناول المتلقي. والقصيدة الجاهلية ببنائها التقليدي المعروف،وهندستها المعتادة إنما هي في حقيقة أمرها تروي قصة،أو مجموعة من القصص. تبدأها بالوقوف على الأطلال، ثم النسيب، ثم تنصرف لغرضها الذي من أجله أقامها الشاعر، متذرعة بالرحلة والصيد والحرب وغيرها من القضايا التي قوامها السرد القصصي.
ربما وجدنا في قصائد الغزل العذري آثارا بينة للسرد القصصي، ما دام الغزل يجد فسحته في قص حكاية العشق، والاستطراد في المحاورات التي تجيش بها نفس المحب، والأحوال التي يعانيها في التقرب من محبوبه، والأهوال التي يتجشمها في اختلاس النظرة،وتقريب المسافة بينه وبين حبِّه. لذلك نزعم أن خيط السرد لم ينقطع في يوم من الأيام من نسيج القصيدة العربية. ولكنه سرد من لون خاص يتناسب طردا وخاصية الشعر العربي، وضروراته اللغوية والوزنية،والإيقاعية. وكأن الشعر يدجن السرد ليتخذ منه الشكل الذي يناسب اقتصاده اللغوي،وفضاءه النصي. ومحاسبة الشعر انطلاقا من مفاهيم السرد الحديثة على النحو الذي نرى، إجحاف في حق الشعر، وربما سوء فهم لطبيعته النظمية التي تفرض عليه التصرف في تقنيات السرد،وتطويعها لتندرج ضمن البناء الشعري القار.
إن الالتفات إلى الرجز من حيث سهولة النظم، وطبيعة الموضوعات التي عالجها، يكشف عن سعة في احتمال الهاجس القصصي.ذلك أن الرجز:« يكاد يكون منفصلا عن الشعر من حيث الارتباط بينه وبين وزنه ومعناه، فهم يرسلونه كلاما كالكلام، ولكنه أخص ما يكون فيما يؤلف بين حركات البدن وحركات النفس، فكانوا يتراجزون على أفواه القلوب، وفي بطون الطرق، وعند مجاثاة الخصم، وساعة المشاولة، وفي نفس المجادلة، ونحو ذلك.» (1) فالانفصال الجزئي عن الشعر يخفف عن الرجز ثقل الالتزام بالقواعد الشعرية المقررة، ويقرب الشقة بينه وبين الكلام العادي، بيد أنه يرفعه عن استرسال الكلام الطلق. الأمر الذي يكسبه أدبيته الخاصة التي تجعل منه ضربا خاصا من بين أضرب القول الشعري. والجديد في الرجز هو الحركة التي تسكنه والتي تجعل البدن متمم للحركة القولية اهتزازا وطربا، كما يجعل الحركة النفسية استمرارا للانفعال الناشئ عن الأداء اللفظي. وكأن الرجز ضرب من القول تتعدى وظيفته الإبلاغ المعتاد إلى لون من المطارحة التي تعتد فيها الذات بما لها من تميز وخصوصية. لذلك كان الرجز للمجاثاة والمشاولة والمجادلة أهون سبيل لنقل الانفعلات المباشرة إلى المتلقي، وقد اكتست ثوب الإخراج الفني الذي يرفعها إلى مرتبة الشعر. وليس يهوِّن من شأن الرجز أن سماه بعض المتأخرين بحمار الشعر (2)، فتلك سمة اكتسبها من السهولة والسيولة التي ترافقه والتي تسمح له بإجراء عدد من الزحافات والعلل ما يمكنه من التسلل بين إكراهات العروض والقافية. فإن كان قد سهل بناء ونظما، فإنه لا يسهل أبدا فكرة ومضمونا. ما دامت الفكرة التي يقوم عليها الرجز هي عين الأفكار التي يقوم عليها الشعر في عموده المعتاد. وليست سهولة النظم بمحِلّة لسهولة الفكرة، خاصة إذا كان الرجز حاملا لسرد قصصي، يلتزم صاحبه بقص الحكاية من مبتداها إلى منتهاها، ماسكا بعناصر التشويق حية بين ألفاظه ومعانيه. يهندس النص القصصي وفق نظرة استشرافية تدرك مجاري القص مخارجه من أول النظم إلى آخره. قد نجد في وصف رؤبة بن العجاج وأبيه، أو في وصف ذي الرمة ما يعطينا الصورة الجلية للعنت الذي يركبه الشاعر من أجل إقامة التوازنات بين شطري الرجز. وكأن عمل الشاعر لا يقوم على صعيد واحد أبدا. وإنما يقوم على ثنائية متوازية، تأخذ من النظم حظا ومن السرد حظا آخر، دون أن تضحي بأحدهما من أجل الثاني. ما دام في ذلك إخلال بفن الرجز في عمومه.
قد ينير لنا هذا الفهم جانبا من النص الذي نروم دراسته، لأنه من الرجز أولا، ولأنه من السرد القصصي ثانيا. وتراكب الوجهين في نص واحد يحتم علينا أمرين اثنين: إما أن ينصرف اهتمامنا إلى مدارستهما معا على صعيد واحد،وإما الاجتزاء بجانب دون الآخر، تضييقا لمجال البحث. أما وقد انصرف اهتمامنا إلى موضوعة الحب في صلب البناء السردي فإننا لن نلتفت إلى الرجز فنا، وإنما نحاول أن نتجاوزه إلى الكيفيات التقنية التي باشر من خلالها الشاعر موضوعه استنادا إلى الأفكار التي بثها في النص،واستنادا إلى الحركة القصصية التي احتملت ثقل هذه المعاني عبر النسق النصي في جملته.
وما موضوعة الحب إلا تعلة محورية تنطلق منها الحركة القصصية وإليها تعود. وهي سيميائيا الثيمة النواتية التي يتأسس عليها الفعل القصصي، وتدور حولها حركات الفاعلين جيئة وذهابا لتحقيق خطاب النص أخيرا. ذلك لأن العمل الفني يمر بمرحلتين: مرحلة الكشف (الإدراك) وهي حتمية تفرض نفسها على الفنان المؤلف. ومرحلة الخلق: أي الإيجاد، وهي غير حتمية،ولا تفرض نفسها على المؤلف، لأنه باستطاعته أن يغير فيها. (3) فالشاعر يدرك الهيئة العامة التي يجب أن يكون عليها العمل الفني الذي يعتزم القيام به، بيد أن الإنجاز الذي يحدد الشكل النهائي للعمل الفني يظل رهن الإجراء الفعلي الذي تتعاقب عليه المحاولات. فهو إجراء يسير على هدي التصور العام للعمل الفني. وكأن الفن مثلما يقول " سنتيانا " يقع دائما بين الرغبة والفعل (4).
فالرغبة تمثل ذلك الهاجس الباعث على النظم،والذي يأخذ بزمام الفكرة التي يريد الشاعر بثها في العمل. والفعل الذي يخضع إلى متحكمات اللغة وشروط الجنس الأدبي ومتطلبات الغرض الشعري. ولهذا السبب يتجه الفهم الحديث للسرد في إطار العمل الفني في كليته إلى تجنب الحديث عن مضمون السرد نفسه، والالتفات إلى كيفيته. يقول " تودوروف " :« إن المهم عند مستوى السرد ليس ما يروى من أحداث، بل المهم هو طريقة الراوي في إطلاعنا عليها..» (5) وهو الالتفات الذي يدخل في حسباننا مسائل التعبير والتأليف والأسلوب، بل والفكرة التي يحملها الخطاب السردي. لأننا سواء استملحنا الحدث القصصي، أو رأيناه سطحيا مبتذلا، فإن المحمول الخطابي الذي يتوسل العناصر والرموز والعلامات، هو الغاية القصوى وراء كل تأليف فني. وليس السرد بدعا من الفنون التي تتجاوز حاملها إلى محمولها بغية التنقيب عن الرسالة التي أودعها الفنان في عمله. بيد أنه يتحتم علينا في ظل التصورات الحديثة للسميائية أن نعتقد في وجود قصد النص إلى جانب قصد المؤلف. وربما كان قصد النص أقوى دلالة من قصد المؤلف. ما دام للغة منطقها الخاص الذي لا ينصاع دوما إلى رغبات التأليف ومتحكماته. بل تسجل اللغة من آثار التمرد ما يعطي للنص الغائب من الحضور والهيمنة ما يعفي على قصد المؤلف، ويحوله بدوره إلى تعلَّة تعلق عليها اللغة و العلامة مرادها الخاص.
إن استراتيجيا الاقتصار على ثيمة الحب المحورية داخل مدارات السرد يخول للقارئ القيام بما يسمى اليوم بالقراءة "الإشعاعية " "SPECTRALE" التي تنطلق في جمع الاتجاهات، مستفيدة من المعارف المختلفة، قصد تجميع السيمات الدالة على فحوى الخطاب. والتي عادة ما تتناثر في اتجاهات متباعدة عن متن النص. تقوم القراءة بتتبع آثارها في طيات الدلالات المتباعدة عن المركز السردي، أو ما يسمى بالبؤرة القصصية. وثيمة الحب هي النواة التي تحتل مركز الإشعاع في نص السرد عند أبي العباس أحمد بن محمد المقري، في مزدوجاته.
1-شكل النص، الجنس والمضمون:
يقدم صاحب المطبعة الحميدية المصرية الكتاب الذي يحتوي مزدوجات أبي العباس المقري بقوله :« هذا مجموع مزدوجات لجماعة من الأفاضل السادات الأمراء البلغاء الأخيار الذين حلوا جيد الزمان بغرر الأشعار، وأبقوا على صحائف الدهر من الآثار ما لا يعفو رسمه وإن طالت الأعصار..» (6) وسنة طبعه 1322هجرية. ثم يقدم مزدوجة أبي العباس قائلا: « هذه مزدوجة الفاضل الفريد الوحيد أبي العباس أحمد بن محمد المقري الأندلسي، تغمده الله بغفرانه وأسكنه فسيح جنانه.» (7). فالكتاب مجموعة منتقاة من الأشعار ذات طابع خاص، في انتسابها إلى الرجز،وفي احتوائها على أنماط من السرد القصصي الذي انتظم في هذا الجنس الأدبي.
تقع مزدوجة أبي العباس في مائتين وأربعين مزدوجة، أي ما يعادل أربعمائة وثمانين بيتا من الشعر. كل مزدوجة منها مقفولة بقفل يلتزم حرف قافية موحد من مبتداها إلى منتهاها، ذلك هو حرف الدال. ابتدأها الناظم على منوال الأراجيز بالحمد والصلاة على المصطفى، جاعلا مطلب الحمد متصلا بالثيمة التي يريد معالجتها في متن النص. فكان مطلعه على النحو التالي:
أحمد من أطلع الجمـالا بدرا على عرش البها تعالى
وزان من عذاره الكمالا بهالـة ما أن تـرى زوالا
أحمده وهو ولي الحمد.
ثم صـلاة الله ما تأرجا أقاح زهر واضح وفلـجا
وما حكى فرق وما تبلجا طرة طبح تحت أذيال الدجى
على حبيب الله من معد.(8)
حظيت الافتتاحية في السرد باهتمام الأسلوبيين خاصة، ذلك أنها المدخل السحري الذي يحتوي القارئ، ويجره إلى عمق النص. وعلى صياغتها قامت الدراسات الأسلوبية بمراجعة الافتتاحيات التي دأب الروائيون على التصنع في كتابتها. فهي الغرة التي تطلع على القارئ وتستدعيه إلى مواصلة القراءة. وربما جعلها شأنها هذا من أخطر المراحل التي تمر بها الكتابة الروائية، ويخشاها السرد القصصي. وقد يعمد كثير من الروائيين إلى مراجعتها بعد الفراغ من الكتابة، وكأنهم يكتبون مقدمة لكتابهم. لذلك خصتها تقنيات السرد بأنماط متعددة من المداخل التي تتكيف بحسب الطبيعة الخاصة للمضامين السردية، التي قد تعمد إلى غمر القارئ في أحداث القصة، ثم التراجع به بعد ذلك إلى البدايات في أثر راجع لخلق المجال القصصي الذي يكتنفه الزمان والمكان الذي تجري فيه الأحداث. ذلك هو ديدن الرواية. أما الرجز فلا يمكن أن نحمِّله اعتسافا هذا الضرب من الإجراء. بل علينا أن نكتشف فيه سبل التعامل مع الافتتاحية. فالحمد والصلاة على المصطفى في هذا المقام ليس جديدا في الكتابة النثرية العربية، وإن خلا منه الشعر. بيد أن الجديد فيه هو الالتفات إلى مضمون الثيمة،وجعلها متضمنة منذ البدء في صلب النظم، تدل عليها جملة من الألفاظ المختارة التي تجعل الحمد والصلاة مرتبطين بالجمال والحب. يستشعر منهما القارئ الوجهة التي سيسير فيها الرجز، وكأن المتن كله ابتهال للجمال والحب.
لا يكتفي الناظم بالافتتاحية الأولى التي يشترك فيها الرجز مع النثر، والتي تقف عند الحمد والصلاة، ولكنه يدرك أن لموضوعه السردي حتمية أخرى تفرض عليه افتتاحية ثانية تتناسب طردا والغرض الذي يقوم من أجله النظم. كما يدرك ما لهذه الافتتاحية من الخطورة والثقل ما جعلها المدعاة الحقيقية للقراءة. إذ تتكشف فيها الآفاق والأبعاد المختلفة للغرض السردي، وأنه عليه أن يبسط فيها ما يستوجب القراءة،وما يكون عنوانا للفهم العميق للثيمة التي يعالجها. فالافتتاحية الثانية من شأنها أن توقف القارئ على عمق الفهم والفقه الذي يتحلى بهما الناظم، إلى جانب ما يتخير لهما من أساليب العرض التي لا تقل حسنا وجاذبية. لذلك تراه يقول:
وبعـد فالحب حـبيب النـفس وراحة الروح وأنس الأنس
ولطف طبع في الحجا و الحدس وأســوة تنـفع للـتأسي
والحب ليس مدركا بالحد. (9)
2-هندسة الافتتاحية الثانية:
تكشف القراءة المتأنية للافتتاحية عن شبكة من الدلالات التي يعدها الناظم مدخلا للسرد، وكأن السرد في حقيقة أمره تدليل تطبيقي لمثل هذه الدلالات، أو كأنه المجال الذي تأخذ فيه هذه الدلالات بعدها الواقعي من حيث تلبسها الحدث، وإحداثها في نفس الشخصيات مفعولها العجيب المتعاكس في الشد والإرخاء. لأنها مما يقوم على ثنائية واضحة في الوتيرة النفسية. وكأن ثيمة الحب لا تتأسس على اتجاه واحد محدد، وإنما تسعى دوما لأن تكون ذات اتجاهين متدابرين، يقوم الواحد منهما على عكس ما يقوم به الآخر. إن لها في النفس صنيعان مختلفان متناقضان: صنيع موجب، وصنيع سالب، وعلى هذه الثنائية يترتب ما يلحق الحب من عواطف متناقضة في الذوات التي تعيش تجربة الحب من وصال وحرمان، وقرب وبعد، ولقاء وافتراق..وكلما كانت وتيرة العواطف في هذا الجانب شديدة الوقع، كانت في الجانب الأخر بمثل الشدة والوطء. ذلك ما يعززه في الفهم قانون الفعل ورد الفعل الفيزيائيين وما يصاحب كل واحد منهما من قبض وبسط.
وحتى يسه
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ