Yahoo!

بسم الله الرحمن الرحيم


مدونة حبيب مونسي

كتبها حبيب مونسي ، في 10 أكتوبر 2011 الساعة: 18:17 م

                               بنو هلال : السيرة والتاريخ

 1-تقديم:    
كثيرا ما يكون البحث التاريخي مثار قلق دائم لدى المؤرخين، وهم يرصدون الأحداث استنادا إلى الرواية أو الآثار، مادامت هذه الأخيرة كغيرها من الظواهر الإنسانية عرضة للتبدل والتغير لما يطرأ عليها عبر الأزمنة من تحولات تنجم عن دواع سياسية وقومية ودينية ومذهبية واقتصاد ،فيضمحل أثر الشاهد تدريجيا حتى يغدو باهتا لا يعول عليه في بناء الحقي التاريخية أو تكسوه إضافات شتى ،تجعل حقيقته غامرة في ثنايا ما أضفته الذاكرة الشعبية عليه ،مما يحلو لها في زمن من أزمنتها ،أوفي مكان من أمكنتها.
        لذلك ظل البحث في أصول الأجناس البشرية مجرد قراءة "فردية" تستنطق ما خلفته آثار، ربما عملت ظروف المؤرخ ونزعاته على تحويلها من مقصديتها الأولى إلى تأويلات تخدم ما هو فيه. وكثيرا ما عانى التاريخ من هذا الجنف البغيض حتى غدت الشواهد في أيدي الدارسين "عجائن" يديرونها كما يشاؤون لخدمة أغراض ضيقة. وربما تطرف الشك من هذا الباب إلى كيفية قراءة الخطوط القديمة من مسمارية وهيروغليفية ونبطية وهندية وغيرها، وقد أشار محمد نجيب البهبيتي في درايته عن "الشعر العربي في محيطه التاريخي القديم" إلى هذه الظاهرة وتشويه الأسماء القديمة وقراءتها "بلكنة" غربية، الأمر الذي أذهب عنها أصلها الأول وجعلها في منطوقها لا تتوافق مع طبيعة الشعب الذي تنتمي إليه. وكذلك صنع عثمان السعدي الباحث الجزائري مع منطوق الكلمات الأمازيغية رادا أصولها الأولى إلى العربية قبل إسماعيل عليه السلام،(1)
        غير أن استنطاق المكتوب –والحال هذه- يتطلب منا اليوم إعادة "قراءة" نعتمد فيها على منطوقاتنا الخاصة، وعندها ستتكشف لنا حقائق جديدة ما دامت اللغة العربية –التي نمتلكها اليوم-هي تقاطع لغات قديمة في ذات واحدة، ذات إسماعيل –عليه السلام- فقد زوده والده إبراهيم –عليه السلام- بالآكادية التي كانت بأرض العراق، وأضافت والدته السيدة هاجر –عليها السلام- بالفرعونية، وأمده محتضنوه الجرهميون بالحميرية، فكان أن تفتق لسانه أول مرة بالعربية، وقد ورد على لسان الرسول-صلى الله عليه وسلم- أن أبانا إسماعيل أول من تفتق لسانه بالعربية.
        وقد تكتفي الدراسة المقارنة بين هذه الأصول من الوصول إلى المنطوقات الحقيقية لهذه الآثار الكتابية، بدل الاعتماد على النشابة والتكرار الذي اعتمده "شامبليون" الفرنسي في فك رموز الكتابة الهيروغليفية. وقد لا يفضي التشابه إلى حقيقة لغوية مادمنا نشهد في لغتنا من الجناس التام والناقص ما يجعل الكلمات تتشابه، وهي تختلف في دلالتها اختلافا كبيرا. كما أن التكرار فيها قد لا يؤدي إلى كشف ذي بال. ونستطيع أن نضرب مثالا لتحريف المنطوق في كلمة "قرطاج" التي معناها "قرية" "حداش" أي القرية الحديثة، والتي صحفت إلى "قرتاش" بتعطيش الجيم، وكذا الأمر في "HANNIBAL" والذي أصله "حنى" "بعل" أي "نعمة الله" و "HAMILCAR" أي "حامي القرية" الذي حارب الرومان في صقلية. (2) وكلها أسماء فينيقية شاعت في المشرق والشمال الإفريقي.
        ولا يمكن أن نفصل في حديثنا عن القبائل الهلا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التفسير والتأويل عند ابن القيم.

كتبها حبيب مونسي ، في 7 أكتوبر 2011 الساعة: 12:29 م

التفسير والتأويل عند ابن القيم.

قراءة في الماهية والشرط
1- التفسير والتأويل:
        تأخذ مسألة التفسير والتأويل في الفكر الإسلامي أبعادا شتى لدى علماء العربية، وأهل التفسير، ورجالات الفرق،عندما يتحد المصطلحان لدى البعض، حتى لا تكاد الحدود تبين، وتتميز، كونهما يؤولان نهاية الأمر إلى المرجعية الفكرية التي يغترف منها "الفرقاء" أوليات علمهم.فذا "ابن حبيب النيسابوري" يضج من تداخل الدلالة فيقول:« نبغ في زماننا مفسرون، لو سئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا إليه»(1])
        وإذا رجعنا إلى الفروق اللغوية قبل الاصطلاحية منها، وتصفحنا "لسان العرب"مثلا، ألفينا بقية من ذلك التداخل تتسرب إلى فكر المصنف، فيذكر لنا – بعد أن "شرح" التفسير والفَسْرَ قول "ابن الأعرابي":« التفسير والتأويل معنى واحد» (2]) فيتحقق لدينا تذمر "ابن حبيب النيسابوري" ، غير أننا سرعان ما نجد "ابن منظور يعود بنا إلى فرق جوهري بين التفسير والتأويل في مادة "أول" فيسجل لنا أن التأويل إنما هو ردُّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر.
        بيد أن الخلط "المتأخر" في دلالة المصطلح، لم يكن كذلك عند الأوائل، لأن تسمية الكتب والمصنفات ب"التفسير"و"التأويل"لم تكن مصادفة، أو أخذا بالترادف. لأن الأوائل أدركوا حقيقة بالغة الأهمية في اللغة وثرائها ودقتها، لأن:« الاسم كلمة تدل على معنى دلالة الإشارة، وإذا أشير إلى الشيء مرة واحدة فَعُرِف، فالإشارة إليه ثانية وثالثة.. غير مفيدة. وواضع اللغة حكيم لا يأتي فيها بما لا يفيد، فإن أشير منه في الثاني والثالث على خلاف ما أشير إليه في الأول كان ذلك صوابا. فهذا يدل على أن كل اسمين يجريان على معنى واحد من المعاني، وعين من الأعيان في لغة واحدة، فإن كل واحد منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر، وإلا لكان الثاني فضلا لا يحتاج إليه. وإلى هذا ذهب المحققون من العلماء.» (3]) وكتاب أبي هلال العسكري –الفروق في اللغة- محاولة كبرى للبرهنة على صحة مذهبه، ودحضا لمقولة الترادف في اللغة، التي أجمع أهل الإعجاز على بطلانها، لأن في الحديث:« ألفاظا متقاربة في المعاني يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب، كالعلم والمعرفة، والحمد والشكر والبخل والشح، وكالنعت والصفة، وكقولك أقعد واجلس، وبلى ونعم.. والأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك. لأن لكل لفظة منها خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن كانا يشتركان في بعضها.» (])
        إن ل"أبي هلال العسكري" فروق طريفة بين التفسير والتأويل، صاغها "مجملة" نحاول عرضها مفصلة في الجدول التالي:
التفسير
الـتأويل
- هو الإخبار عن أفراد آحاد الجملة "الألفاظ"
- الإخبار بمعنى الكلام "الجملة/النص"
- أفراد ما انتظمه ظاهر التنزيل "لغة النص"
- الإخبار بغرض المتكلم
 
- استخراج معنى الكلام لا على ظاهره، بل على وجه يحتمل مجازا أو حقيقة.
-أصل التأويل من "إلت"إلى الشيء "أؤول" إليه. إذا صرت إليه. (])
        إن القراءة الأولى لمكونات الجدول، تضع بين أيدينا جدلية "الظاهر"و"الباطن" التي حركت الفكر الإسلامي باتجاهاته وفرقه وأهوائه، ذلك أن "أبا هلال العسكري" يفتح أمامنا مسارا التفسير بشقيه: النقل/العقل. فمناط التفسير اللفظ ودلالته التي احتفظت بها الذاكرة العربية في أشعارها وأقوالها وأمثالها، وجسد النص اللغوي الذي يفضي إلى حقيقة الدليل.. إنه يتوخى الوضوح، وواحدية المعنى، فهو واحد لدى جميع القراء. أما التأويل، فخلاف ذلك، لأنه مرتبط ب"الظلال" التي تشيعها الكلام، وتحملها الألفاظ وراء أصواتها وحروفها، وصيغها. فهو ذلك "الهمس" الخافت وراء صخب اللغة، فهو يحاول دائما تفهم وتدبر مقاصد المتكلم، فيرجح قولا على قول، ويغلب معنى على معنى، حتى يحقق نهاية الأمر ما يريده من النص، لا ما يريده النص منه. ولهذا السبب سارع العلماء إلى إلجامه وتقييده بالشروط. فالتفرقة إذن بين التفسير والتأويل إنما هي في حقيقة الأمر:« تفرقة بين منهجين مختلفين في إدراك النص. إذ يبدو أن التفسير ضرب من الأخذ بالظاهر، أما التأويل فإنه تجاوز هذا السطح الظاهري إلى أعماق أخرى. وهي التفرقة التي تميز بين مرحلتين مختلفتين من مراحل التفسير.» (]) وكأننا كنا في بدء الحياة الإسلامية مع التفسير، ثم صرنا مع توالي القرون، وظهور قضايا المواجهات الفكرية المختلفة مع التأويل لاتساعه واستيعابه ذلك الجدل القوي بين الأطراف المتصارعة في الساحة الفكرية. غير أننا لا نعدم في المرحلة الأولى وجود ضروب مختلفة من التأويل.
        والملفت حقا في هذا الشأن، ورود كلمة "تفسير" مرة واحدة في القرآن الكريم، في قوله تعالى:) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا( (الفرقان 33) يقول "ابن القيم" :« فالحق هو المعنى، والمدلول الذي تضمنه الكتاب، والتفسير الأحسن هو الألفاظ الدالة على ذلك الحق فهي تفسيره وبيانه، والتفسير أصله في الظهور والبيان.»(]) أما التأويل فقد ورد في سبعة عشر موضعا، متراوحة بين ثلاثة معان رئيسة:
أ- احتمال معاني أخرى: ) فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء   تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله.( (آل عمران7)
ب-تعبير الرؤيا : ) ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل  رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا.( (يوسف100)
ت- العدل، الصدق، الابتعاد عن الغش:) وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا.((الاسراء35)
كما يستعرض "عز الدين إسماعيل"(8]) آراء المشتغلين بعلوم القرآن بصفة عامة في الفرق بين التفسير والتأويل من كتاب "السيوطي" "الإتقان في علوم القرآن" نلخصها في الجدول التالي:
1-على مستوى اللفظ
التفسير
التأويل
- خاص بالألفاظ ومفرداتها.
- يشرح القرآن وغيره من الكتب السماوية. والنصوص والكلام.
- بيان معاني لفظ لا يحتمل إلا معنى واحدا، مع قيام الدليل القاطع.
- يكون لغريب الألفاظ.
- يكون لكلام يتضمن قصة أو سبب نزول.
- مرتبط بالمعاني والجمل.
- مقصور على القرآن، فلا نقول تأويل قصيدة أو خطبة.
- هو اختيار معنى من المعاني المحتملة مع تقديم الدليل على صحة المعنى.
-إنه ترجيح أحد المعاني المحتملة المناسبة.
- يكون للألفاظ كما يكون للجمل.
2-على مستوى النص. رواية ودراية.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتبها حبيب مونسي ، في 7 أكتوبر 2011 الساعة: 11:58 ص

ردود على أسئلة باحثة في "مقامات الذاكرة المنسية"

 

*- ما هي تقنياتكم في الكتابة الروائية؟:

أولا لا توجد تقنية بعينها في كتابة الرواية، وإنما الرواية تكتب نفسها. بمعنى أنني عندما أشرع في كتابة رواية من الروايات فإنني أعتمد على المشاهد. أقف عند المشهد الواحد أدرس كافة العناصر المكونة للمشهد من شخصيات وأحداث وحوار ووصف. ثم أبدأ في الكتابة ملتفتا هذه المرة إلى اللغة أعطيها حقها من الإشراق والوضوح والجمال. لأنني لا أكتب رواية من أجل سرد الأحداث فقط وإنما أكتب ليجد القارئ متعة فيما يقرأ. إن اللغة هي الوسيلة التي تفتح أمام القارئ آفاق النص. هكذا تتقدم الرواية مشهدا وراء مشهد.
- مفهومكم للأدب والإبداع من جهة و النص والرواية:
الأدب هو التعبير الصادق عن التجارب الحياتية التي يحياها الإنسان، ومن ثم فكل تعبير استوفى شروط الصدق الفني فهو أدب شرط أن يتسم بقسط من الجمال. ولا يهم أن تكون التجارب إيجابية بل قد يكون في التعبير عن الشر والسقوط رؤية جمالية ويكون للأدب رسالته التي يؤديها من خلاله لكن لا يكون الحديث عن الشر من أجل الشر فقط هو الأدب أو الحديث عن الخير من حيث هو خير. بل الحديث عن التجربة الإنسانية في تعاطيها الخير والشر معا والتسامي بها إلى التجربة الإنسانية التي تتخطى حدود الزمان والمكان. إن الإبداع يتجلى في هذه الخاصية حين يصير الأدب مثلا شرودا في حياة الناس ماضيا وحاضرا، حين يخلص الأدب إلى الجوهري في الإنسان حين يتجاوز القشرة التي تصنعها المظاهر للوصول إلى الجوهر الإنساني في كل واحد منها هو الإبداع في أسمى معانيه. إن ما فقدته الرواية اليوم هو تخليها عن هذا الدور واكتفائها باليومي تتحدث عنه، بالساذج تعرضه على أعين القراء.
إن النص هو الرفع والتجلية هذا هو المعنى اللغوي للنص. وكل ما يفعله النص يجب أن يكون رفعا وإظهارا لموضوعه ومن ثم فكل نص يفلح في إظهار موضوعه إظهارا بينا فهو نص جيد. سواء استعان بالتراث والشخصيات التراثية، أولا استعان بالأساليب المختلفة التي يعرفها القراء من تناص وغيرها.. فإن آية النجاح في النص هي الوصول إلى تجلية الموضوع.
*- هل يمكن  اعتبار "مقامات الذاكرة المنسية" نوعا من المقامات أو رواية؟ وإن كانت رواية فهل هي اثنوغرافية؟
إنها ليست رواية بالمعنى المتعارف عليه في تعريف الرواية، لأن عنوانها "مقامات" ومن ثم هي مقامات تنتهي إلي بعضها بعض فيما يشبه السرد المتواصل الذي يشكل رواية في نهاية المطاف. إن هندستها كانت ابتداء مقامة ثم تليها مقامة ورابط بينهما يتقدم في الزمن أو يتأخر، إنها مزج بين التراثي القديم والحداثي من حيث الشكل المتشظي الذي يذهب في كل الاتجاهات زمانيا ومكانيا. إننا نستفيد من المقامات التراثية في احتوائها على خبر واحد أو أحدوثة واحدة ثم نلجأ إلى النصوص المتقاطعة لنصنع منها ذلك النسيج المعقد من التداخلات التي تعود في نهاية كل جولة إلى سليم. فالمحور الذي تدور حوله المقامات ومواضي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتبها حبيب مونسي ، في 7 أكتوبر 2011 الساعة: 11:45 ص

معارج الحب ومدارجه.
 قراءة في الافتتاحية السردية لمزدوجة أبي العباس أحمد بن محمد المقري الأندلسي.
      تقديم:
إذا كان النقاد المحدثون يستبعدون ركوب الشعر العربي للسرد القصصي، فذلك لطبيعة الشعر نفسه بنية وشكلا، من حيث الاقتصاد اللغوي،وضرورة الوزن والقافية من جهة، والتفات الشعر إلى الغنائية الذاتية من جهة ثانية. كأن يروا القص على الأعراف الأدبية الحديثة ما احتوته القصة والرواية وحسب. وتلك مقايسة فيها كثير من الإعنات للشعر العربي، واتهامه بالخلو من القصص. بيد أن المتفرس في الشعر العربي قديمه وحديثه، يجد آثار القص واضحة في صلب كل قصيدة. وكأن القصيدة، حتى وهي تتابع الفكرة المجردة لا تعدم انتهاج سبيل السرد الذي يجعل الفكرة في متناول المتلقي. والقصيدة الجاهلية ببنائها التقليدي المعروف،وهندستها المعتادة إنما هي في حقيقة أمرها تروي قصة،أو مجموعة من القصص. تبدأها بالوقوف على الأطلال، ثم النسيب، ثم تنصرف لغرضها الذي من أجله أقامها الشاعر، متذرعة بالرحلة والصيد والحرب وغيرها من القضايا التي قوامها السرد القصصي.
ربما وجدنا في قصائد الغزل العذري آثارا بينة للسرد القصصي، ما دام الغزل يجد فسحته في قص حكاية العشق، والاستطراد في المحاورات التي تجيش بها نفس المحب، والأحوال التي يعانيها في التقرب من محبوبه، والأهوال التي يتجشمها في اختلاس النظرة،وتقريب المسافة بينه وبين حبِّه. لذلك نزعم أن خيط السرد لم ينقطع في يوم من الأيام من نسيج القصيدة العربية. ولكنه سرد من لون خاص يتناسب طردا وخاصية الشعر العربي، وضروراته اللغوية والوزنية،والإيقاعية. وكأن الشعر يدجن السرد ليتخذ منه الشكل الذي يناسب اقتصاده اللغوي،وفضاءه النصي. ومحاسبة الشعر انطلاقا من مفاهيم السرد الحديثة على النحو الذي نرى، إجحاف في حق الشعر، وربما سوء فهم لطبيعته النظمية التي تفرض عليه التصرف في تقنيات السرد،وتطويعها لتندرج ضمن البناء الشعري القار.
إن الالتفات إلى الرجز من حيث سهولة النظم، وطبيعة الموضوعات التي عالجها، يكشف عن سعة في احتمال الهاجس القصصي.ذلك أن الرجز:« يكاد يكون منفصلا عن الشعر من حيث الارتباط بينه وبين وزنه ومعناه، فهم يرسلونه كلاما كالكلام، ولكنه أخص ما يكون فيما يؤلف بين حركات البدن وحركات النفس، فكانوا يتراجزون على أفواه القلوب، وفي بطون الطرق، وعند مجاثاة الخصم، وساعة المشاولة، وفي نفس المجادلة، ونحو ذلك.» (1) فالانفصال الجزئي عن الشعر يخفف عن الرجز ثقل الالتزام بالقواعد الشعرية المقررة، ويقرب الشقة بينه وبين الكلام العادي، بيد أنه يرفعه عن استرسال الكلام الطلق. الأمر الذي يكسبه أدبيته الخاصة التي تجعل منه ضربا خاصا من بين أضرب القول الشعري. والجديد في الرجز هو الحركة التي تسكنه والتي تجعل البدن متمم للحركة القولية اهتزازا وطربا، كما يجعل الحركة النفسية استمرارا للانفعال الناشئ عن الأداء اللفظي. وكأن الرجز ضرب من القول تتعدى وظيفته الإبلاغ المعتاد إلى لون من المطارحة التي تعتد فيها الذات بما لها من تميز وخصوصية. لذلك كان الرجز للمجاثاة والمشاولة والمجادلة أهون سبيل لنقل الانفعلات المباشرة إلى المتلقي، وقد اكتست ثوب الإخراج الفني الذي يرفعها إلى مرتبة الشعر. وليس يهوِّن من شأن الرجز أن سماه بعض المتأخرين بحمار الشعر (2)، فتلك سمة اكتسبها من السهولة والسيولة التي ترافقه والتي تسمح له بإجراء عدد من الزحافات والعلل ما يمكنه من التسلل بين إكراهات العروض والقافية. فإن كان قد سهل بناء ونظما، فإنه لا يسهل أبدا فكرة ومضمونا. ما دامت الفكرة التي يقوم عليها الرجز هي عين الأفكار التي يقوم عليها الشعر في عموده المعتاد. وليست سهولة النظم بمحِلّة لسهولة الفكرة، خاصة إذا كان الرجز حاملا لسرد قصصي، يلتزم صاحبه بقص الحكاية من مبتداها إلى منتهاها، ماسكا بعناصر التشويق حية بين ألفاظه ومعانيه. يهندس النص القصصي وفق نظرة استشرافية تدرك مجاري القص مخارجه من أول النظم إلى آخره. قد نجد في وصف رؤبة بن العجاج وأبيه، أو في وصف ذي الرمة ما يعطينا الصورة الجلية للعنت الذي يركبه الشاعر من أجل إقامة التوازنات بين شطري الرجز. وكأن عمل الشاعر لا يقوم على صعيد واحد أبدا. وإنما يقوم على ثنائية متوازية، تأخذ من النظم حظا ومن السرد حظا آخر، دون أن تضحي بأحدهما من أجل الثاني. ما دام في ذلك إخلال بفن الرجز في عمومه.
قد ينير لنا هذا الفهم جانبا من النص الذي نروم دراسته، لأنه من الرجز أولا، ولأنه من السرد القصصي ثانيا. وتراكب الوجهين في نص واحد يحتم علينا أمرين اثنين: إما أن ينصرف اهتمامنا إلى مدارستهما معا على صعيد واحد،وإما الاجتزاء بجانب دون الآخر، تضييقا لمجال البحث. أما وقد انصرف اهتمامنا إلى موضوعة الحب في صلب البناء السردي فإننا لن نلتفت إلى الرجز فنا، وإنما نحاول أن نتجاوزه إلى الكيفيات التقنية التي باشر من خلالها الشاعر موضوعه استنادا إلى الأفكار التي بثها في النص،واستنادا إلى الحركة القصصية التي احتملت ثقل هذه المعاني عبر النسق النصي في جملته.
وما موضوعة الحب إلا تعلة محورية تنطلق منها الحركة القصصية وإليها تعود. وهي سيميائيا الثيمة النواتية التي يتأسس عليها الفعل القصصي، وتدور حولها حركات الفاعلين جيئة وذهابا لتحقيق خطاب النص أخيرا. ذلك لأن العمل الفني يمر بمرحلتين: مرحلة الكشف (الإدراك) وهي حتمية تفرض نفسها على الفنان المؤلف. ومرحلة الخلق: أي الإيجاد، وهي غير حتمية،ولا تفرض نفسها على المؤلف، لأنه باستطاعته أن يغير فيها. (3) فالشاعر يدرك الهيئة العامة التي يجب أن يكون عليها العمل الفني الذي يعتزم القيام به، بيد أن الإنجاز الذي يحدد الشكل النهائي للعمل الفني يظل رهن الإجراء الفعلي الذي تتعاقب عليه المحاولات. فهو إجراء يسير على هدي التصور العام للعمل الفني. وكأن الفن مثلما يقول " سنتيانا " يقع دائما بين الرغبة والفعل (4).
 فالرغبة تمثل ذلك الهاجس الباعث على النظم،والذي يأخذ بزمام الفكرة التي يريد الشاعر بثها في العمل. والفعل الذي يخضع إلى متحكمات اللغة وشروط الجنس الأدبي ومتطلبات الغرض الشعري. ولهذا السبب يتجه الفهم الحديث للسرد في إطار العمل الفني في كليته إلى تجنب الحديث عن مضمون السرد نفسه، والالتفات إلى كيفيته. يقول " تودوروف " :« إن المهم عند مستوى السرد ليس ما يروى من أحداث، بل المهم هو طريقة الراوي في إطلاعنا عليها..» (5) وهو الالتفات الذي يدخل في حسباننا مسائل التعبير والتأليف والأسلوب، بل والفكرة التي يحملها الخطاب السردي. لأننا سواء استملحنا الحدث القصصي، أو رأيناه سطحيا مبتذلا، فإن المحمول الخطابي الذي يتوسل العناصر والرموز والعلامات، هو الغاية القصوى وراء كل تأليف فني. وليس السرد بدعا من الفنون التي تتجاوز حاملها إلى محمولها بغية التنقيب عن الرسالة التي أودعها الفنان في عمله. بيد أنه يتحتم علينا في ظل التصورات الحديثة للسميائية أن نعتقد في وجود قصد النص إلى جانب قصد المؤلف. وربما كان قصد النص أقوى دلالة من قصد المؤلف. ما دام للغة منطقها الخاص الذي لا ينصاع دوما إلى رغبات التأليف ومتحكماته. بل تسجل اللغة من آثار التمرد ما يعطي للنص الغائب من الحضور والهيمنة ما يعفي على قصد المؤلف، ويحوله بدوره إلى تعلَّة تعلق عليها اللغة و العلامة مرادها الخاص.
إن استراتيجيا الاقتصار على ثيمة الحب المحورية داخل مدارات السرد يخول للقارئ القيام بما يسمى اليوم بالقراءة "الإشعاعية " "SPECTRALE" التي تنطلق في جمع الاتجاهات، مستفيدة من المعارف المختلفة، قصد تجميع السيمات الدالة على فحوى الخطاب. والتي عادة ما تتناثر في اتجاهات متباعدة عن متن النص. تقوم القراءة بتتبع آثارها في طيات الدلالات المتباعدة عن المركز السردي، أو ما يسمى بالبؤرة القصصية. وثيمة الحب هي النواة التي تحتل مركز الإشعاع في نص السرد عند أبي العباس أحمد بن محمد المقري، في مزدوجاته.
 1-شكل النص، الجنس والمضمون:
يقدم صاحب المطبعة الحميدية المصرية الكتاب الذي يحتوي مزدوجات أبي العباس المقري بقوله :« هذا مجموع مزدوجات لجماعة من الأفاضل السادات الأمراء البلغاء الأخيار الذين حلوا جيد الزمان بغرر الأشعار، وأبقوا على صحائف الدهر من الآثار ما لا يعفو رسمه وإن طالت الأعصار..» (6) وسنة طبعه 1322هجرية. ثم يقدم مزدوجة أبي العباس قائلا: « هذه مزدوجة الفاضل الفريد الوحيد أبي العباس أحمد بن محمد المقري الأندلسي، تغمده الله بغفرانه وأسكنه فسيح جنانه.» (7). فالكتاب مجموعة منتقاة من الأشعار ذات طابع خاص، في انتسابها إلى الرجز،وفي احتوائها على أنماط من السرد القصصي الذي انتظم في هذا الجنس الأدبي.
تقع مزدوجة أبي العباس في مائتين وأربعين مزدوجة، أي ما يعادل أربعمائة وثمانين بيتا من الشعر. كل مزدوجة منها مقفولة بقفل يلتزم حرف قافية موحد من مبتداها إلى منتهاها، ذلك هو حرف الدال. ابتدأها الناظم على منوال الأراجيز بالحمد والصلاة على المصطفى، جاعلا مطلب الحمد متصلا بالثيمة التي يريد معالجتها في متن النص. فكان مطلعه على النحو التالي:
 أحمد من أطلع الجمـالا     بدرا على عرش البها تعالى
 وزان من عذاره الكمالا    بهالـة ما أن تـرى  زوالا
           أحمده وهو ولي الحمد.
 ثم صـلاة الله ما تأرجا       أقاح زهر واضح وفلـجا
 وما حكى فرق وما تبلجا     طرة طبح تحت أذيال الدجى
           على حبيب الله من معد.(8)
حظيت الافتتاحية في السرد باهتمام الأسلوبيين خاصة، ذلك أنها المدخل السحري الذي يحتوي القارئ، ويجره إلى عمق النص. وعلى صياغتها قامت الدراسات الأسلوبية بمراجعة الافتتاحيات التي دأب الروائيون على التصنع في كتابتها. فهي الغرة التي تطلع على القارئ وتستدعيه إلى مواصلة القراءة. وربما جعلها شأنها هذا من أخطر المراحل التي تمر بها الكتابة الروائية، ويخشاها السرد القصصي. وقد يعمد كثير من الروائيين إلى مراجعتها بعد الفراغ من الكتابة، وكأنهم يكتبون مقدمة لكتابهم. لذلك خصتها تقنيات السرد بأنماط متعددة من المداخل التي تتكيف بحسب الطبيعة الخاصة للمضامين السردية، التي قد تعمد إلى غمر القارئ في أحداث القصة، ثم التراجع به بعد ذلك إلى البدايات في أثر راجع لخلق المجال القصصي الذي يكتنفه الزمان والمكان الذي تجري فيه الأحداث. ذلك هو ديدن الرواية. أما الرجز فلا يمكن أن نحمِّله اعتسافا هذا الضرب من الإجراء. بل علينا أن نكتشف فيه سبل التعامل مع الافتتاحية. فالحمد والصلاة على المصطفى في هذا المقام ليس جديدا في الكتابة النثرية العربية، وإن خلا منه الشعر. بيد أن الجديد فيه هو الالتفات إلى مضمون الثيمة،وجعلها متضمنة منذ البدء في صلب النظم، تدل عليها جملة من الألفاظ المختارة التي تجعل الحمد والصلاة مرتبطين بالجمال والحب. يستشعر منهما القارئ الوجهة التي سيسير فيها الرجز، وكأن المتن كله ابتهال للجمال والحب.
         لا يكتفي الناظم بالافتتاحية الأولى التي يشترك فيها الرجز مع النثر، والتي تقف عند الحمد والصلاة، ولكنه يدرك أن لموضوعه السردي حتمية أخرى تفرض عليه افتتاحية ثانية تتناسب طردا والغرض الذي يقوم من أجله النظم. كما يدرك ما لهذه الافتتاحية من الخطورة والثقل ما جعلها المدعاة الحقيقية للقراءة. إذ تتكشف فيها الآفاق والأبعاد المختلفة للغرض السردي، وأنه عليه أن يبسط فيها ما يستوجب القراءة،وما يكون عنوانا للفهم العميق للثيمة التي يعالجها. فالافتتاحية الثانية من شأنها أن توقف القارئ على عمق الفهم والفقه الذي يتحلى بهما الناظم، إلى جانب ما يتخير لهما من أساليب العرض التي لا تقل حسنا وجاذبية. لذلك تراه يقول:
 وبعـد فالحب حـبيب النـفس  وراحة الروح وأنس الأنس
 ولطف طبع في الحجا و الحدس وأســوة تنـفع للـتأسي
                 والحب ليس مدركا بالحد. (9)
 2-هندسة الافتتاحية الثانية:
         تكشف القراءة المتأنية للافتتاحية عن شبكة من الدلالات التي يعدها الناظم مدخلا للسرد، وكأن السرد في حقيقة أمره تدليل تطبيقي لمثل هذه الدلالات، أو كأنه المجال الذي تأخذ فيه هذه الدلالات بعدها الواقعي من حيث تلبسها الحدث، وإحداثها في نفس الشخصيات مفعولها العجيب المتعاكس في الشد والإرخاء. لأنها مما يقوم على ثنائية واضحة في الوتيرة النفسية. وكأن ثيمة الحب لا تتأسس على اتجاه واحد محدد، وإنما تسعى دوما لأن تكون ذات اتجاهين متدابرين، يقوم الواحد منهما على عكس ما يقوم به الآخر. إن لها في النفس صنيعان مختلفان متناقضان: صنيع موجب، وصنيع سالب، وعلى هذه الثنائية يترتب ما يلحق الحب من عواطف متناقضة في الذوات التي تعيش تجربة الحب من وصال وحرمان، وقرب وبعد، ولقاء وافتراق..وكلما كانت وتيرة العواطف في هذا الجانب شديدة الوقع، كانت في الجانب الأخر بمثل الشدة والوطء. ذلك ما يعززه في الفهم قانون الفعل ورد الفعل الفيزيائيين وما يصاحب كل واحد منهما من قبض وبسط.
         وحتى يسه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ربيعة جلطي..تعرية الذات وفضاءات البوح الشعري.

كتبها حبيب مونسي ، في 5 مارس 2011 الساعة: 21:47 م

 ربيعة جلطي..تعرية الذات وفضاءات البوح الشعري.
 
أ.د. حبيب مونسي
 
لن نسلك في هذه المقاربة سبيل الدرس الأكاديمي التقليدي، وإنما سنترك جانبا القوالب الجاهزة التي اعتاد الدرس أن يتلبسها في مثل هذه المواقف ليناقش محمولات العبارة الشعرية في القصيدة. ونبدأ مما تصرح به الشاعرة نفسها من بوح تحاول أن تبرر به القول والفعل معا. إنها حين تكتب تكتب في خلوة، ولكنها حين تقبل على جمهورها تقوم بتعرية الذات، وفضح أسرارها أمام حشود متعطشة للأسرار والأخبار.. إن العلاقة التي تقوم بين المنشد قصيدته والمتلقي، لا تقوم أساسا على جماليات اللغة، والصور، والعروض، وإنما تقوم على مقامات البوح وما يعمرها من غريب وجديد.. ولا تقوم اللغة إلا خادمة لذلك السريان الخفي بين لسان يدفع، وأذن لا تشبع.
وكم يكون الأمر مثيرا حينما يكون الباث امرأة.. إنها ذلك الكائن العجيب الذي لا تنقطع أسراره، وكأنها تتجدد بتجدد الأيام مع شروق سموشها وتوالي لياليها.. إنك تسمع لها وكأنك تسمع حديثها لأول مرة، سواء تغزلت أو اشتكت، أو رثت، أو وصفت.. إن حديثها دوما.. شاءت أم أبت، حديث مبطن بأسرار.. أو هكذا نريد له أن يكون لئلا يسقط في التسطيح والسذاجة.
وحين نقارب "ربيعة جلطي" من هذه الزاوية نريد للقوالب الجاهزة والأحكام الناجزة أن تتوارى بعيدا عن كل همس يند من كتلة النص، لنسمعه بينا واضحا من خلال حفيف الكلمات وحشرجة الحروف، وكأننا أمام فضاء تلعب فيه رياح يوسف غضوب بأوراق خرفه، تلهو بهن هنيهة وتعود تجمعها بعد شتات..
إن النص عند هذه الشاعرة وأخواتها .. يسلك عادة هذه الطريقة في النشر والطي.. في الكتم والبوح.. في إغراء الآخر والصدود عنه.. إنها أبدا امرأة أهدت للكلمات شيئا من غنجها وتمنعها.. وشيئا من جرأتها وتبذلها. وكأن النص الشعري يتخلى عن كافة تعريفاته التي أرساها النقد منذ أزمنة بعيدة، ليكتب لنفسه تعريفا جديدا مختلفا، لا نحسبه يصب في الرؤى التي تأسست عليها كافة المقولات النقدية الأكاديمية على أقل تقدير. فالشعر النسوي يقارب اليوم:« من باب هيمنة البوح كمولد نصي،يضع الشعر كنمط أدبي،يعيد هيمنة الذات في النصّ الشعري، ويضعه في منزلة مابين منزلتي السيرة الذاتية واليوميات، وهو توسيع لأدب البوح وتداخل الأنواع ضمن هذا الجنس الأدبي من خلال العبور من السيرة الذاتية إلى اليوميات الشخصية.»([1]) كل ذلك حتى يتمكن الاتصال بين الغامض في الذات والغامض في الكتابة اتصالا يمكِّن الظلال الدلالية من الهروب بعيدا في أغوار النفس المعذبة. أو كبصيص من نور يطل بين الفينة والأخرى عبر التكثيف الذي تتلفع به الكلمات، والضبابية التي تتشح بها العبارات، لتقول الشيء وضده في آن واحد.
إن هذا الزعم ليس جديدا على الشعر النسوي، وليس بدعا فيه، وإنما هو مما يتحسسه النقد من خلال قياس مسافات الانتهاك التي يلاحظها بين الجنس والجنس، وكأن الحدود التي تُخترم بين الأجناس الأدبية ليس لها من حقيقة سوى حقيقة الاتساع لتشمل أنواع البوح، وتتمكن من نقل كافة الشحنات العاطفية التي ربما ضاق عنها الشعري واتسع لها السردي. فالشاعرة حينما تفتح القصيدة على السيرة، إنما تفتحها على تداعيات لا تحترم التراتبية الزمنية ولا المكانية، وإنما تنصاع لداعي الثرثرة التي تترنح بها مينا وشمالا، وكأنها تسعى وراء حقيقة لا يمكن إدراكها من خلال الشاخص بين يدي القارئ، وإنما يُستعان عليها بما ينثال من رؤى وهواجس تتخلل القول الشعري وتُتْرِع ساحته بالصور المبتوتة عن أصولها.
إنها مخاطرة أن تجعل المرأة من وجودها كائنا سيريا: « بتحويل ذاتها إلى موضوع، وتستخدم الأنا للتمحور على الذات،وتأكيد الوظيفة التعبيرية لعناصر الرسالة الأدبية. مما يجعل المرأة عرضة لأن تؤخذ بجريرة ما تكتبه، فللمرأة حضور خاص ينعكس في خصوصية تجربتها ذاتها.» ([2]) فالكائن السيري معرض أبدا لانتهاك الضمير من خلال فعل البوح الذي يتدرج به من العادي العرضي إلى الخصوصي المرتبط بالأنا في أدق تفاصيلها، وفي أحرج لحظاتها الوجودية. ومن ثم فإن تحويل المرأة إلى موضوع يخاطب القارئ من خلال ضمير الأنا، لا يعفيه أبدا من تبعات الخوض في مسائل تستثير لذة القارئ، ليس باعتبارها فنا وتجربة إنسانية، وإنما باعتبارها مادة للتلصُّص التي تحول الفعل القرائي – مثلما يقول ألبيرس-إلى فعل مصاص الدماء، وتتحول معه المتعة الفنية إلى متعة سادية. فالقارئ:« المقيد بإكراهات التابوهات الدينية سيحاول ترميم فعل القراءة، وتفعيل مشاركته في ملء فراغات النص أو المسكوت عنه. وبذلك سيكون هذا الأدب نمطا من النصوص المناهضة لهذه التابوهات. وتدخل هذه النصوص ضمن نسيج النصوص المقاومة للتابوهات الثلاثة: في الجنس، والدين، والسياسة. فإن غياب الحرية قد حوّل كتابات المرأة إلى وسائل دفاعية.»([3]) لأن الظلال التي تلقيها الألفاظ على حواشي الدلالة تستثير متعة التلصص. كما أن للكلمات حفيف آخر ينضاف إلى الظلال ليجعل النص همسا تتخلله حشرجات مختلفة الوقع، بعيدة الغور، توحي بالمعاني الحافة فيها.
لقد حاول النقد الأدبي محاصرة الظاهرة من خلال عقد الندوات التي دعيت إليها شاعرات، يتحدثن فيها عن تجاربهن وأساليب كتابتهن، وكيفيات تعاملهن مع اللغة والصور. وما انتهت إليه: « البحوث والمناقشات التي جرت في ندوة "الحرية في الأدب النسائي" التي جرت مؤخرا في طرابلس العاصمة الليبية، باتسام الأدب النسوي في تحديد أهم سمات الكتابة النسوية "بالانكباب على الذات، والعناية بالتفاصيل الصغيرة،والنبش في الطبيعة السيكولوجية،والجنسية… والعري،والفضح والتلصص، ونقد الذات، وتخطي الحرام الجنسي إلى الحرام السياسي" وكان وعي المرأة بالجسد، كحضور ثقافي يخضع لإكراهات المجتمع، باعتبارها مدخرا أموميا للولادة والتناسل، وكذلك لأداء الأعباء اليومية في المنزل حتى يصح وصفها بأنها حارسة الهيكل المنزلي» ([4]) ذلك لأن النسق الشعري في الأدبي النسوي حول الجسد إلى كتابة، ومن ثم صارت قراءة الجسد في الشعر النسوي من أولويات الفعل القرائي الذي يطل من وراء البوح على تضاريس الأنوثة مجسدة في الجسد المسجى عبر اللغة.
لقد عُدَّ ذلك الفعل انتهاك لحرمة الجسد في بادئ الأمر، ثم فوجئ القارئ بالجسد حضورا ثقافيا بين يديه، ثم تحول الحضور الفني إلى استعراض أيروسي فج في كثير من النصوص التي لم تجد فيها المرأة إلا شبقا تحاول اللغة أن تقوله كيفما اتفق، في همس البوح تارة، وفي جهر العهر تارة أخرى. بيد أن الأمر لم يكن مقصورا على المرأة وحدها فقد شاركها الرجل في تأجيج العهر، وانساق وراء البوح ليقول جسه هو الآخر بفجاجة أكبر. فكان الجسد صفحة يكتب عليها شعر هؤلاء لافتاته الداعية إلى التجاوز والتحول.. لم يكن فيها شيء مما يدعون أنه تجاوز للتابوهات، وكسر لأصنام الماضي، ونسف لمخاوفه، وإنما ارتدت فيهم الكتابة الأيروسية إلى ابتذال مشين.
 

2-مهمة الشعر لدى النساء:

 

 قد يكون من المفيد استقراء آراء الشاعرات في مفهوم الشعر ووظيفته، حتى نحدد مجال الرؤية التي سنناقش بها مواقف الشاعرة "ربيعة جلطي" لأننا قد أشرنا منذ البدء أننا أمام رؤية مختلفة، قد لا تتفق في كثير من معطياتها مع الرائج من الآراء والأقوال، وأنها تنصرف إلى وجهة أخرى تجعل فهمنا للشعر النسوي ينطلق من قاعدة خاطئة، وأن ما نبنيه من أحكام عليها لا يستند إلى معرفة حقة بالظاهرة، فيثبت في وجه النقد والانتقاد.
 ترى الشاعرة "حمر العين خيرة" أن :« أن أية محاولة لتنميط القول الشعري وحصره في قضايا ذاتية، أو قومية، أو محلية، هي جناية على الشعر، وتعطيل لحرية اللغة في الانعتاق والتجلي، لأن هوية الشعر انبثاق أزلي، وفيض مستمر، ولا يمكن لهذه الأزلية والاستمرارية إلا أن تكون شاهدا على الأبدية »([5]) وكأن هاجس الشاعرة أن لا يُنمط الشعر، وأن لا يُقصر على مجال دون آخر، فلا هو بالذاتي ، ولا هو بالقومي، ولا هو بالمحلي،إنما هو كل ذلك جملة واحدة. وكأن وظيفة الشعر عند الشاعرة أن يرود هذه التخوم كلها، وأن يقول فيها قولته، وأن يبدع من خلالها تجاربه الفنية. فهو فضاء للذاتي ومتسع له، وهو مجال للقومي وهمومه الاجتماعية والثقافية والسياسية والحضارية وغيرها.. وهو إطلالة على المحلي وألوانه الفلكلورية.. إننا نوسع من دائرة الشعري حتى لا يسقط في التنميط المذكور أعلاه حتى وإن حمَّلنا الشعر الأحمال كلها، وأثقلنا كاهله بالأثقال كلها، وجعلناه يقولها جملة وتفصيلة.
 بيد أن الأمر الثاني لدى الشاعرة، في إشارتها إلى لغة الشعر التي يجب أن تكون "انعتاقا وتجليا" وهو شرط لديها في تأسيس هوية الشعر القائمة على الانبثاق الأزلي، والفيض المستمر، ليكون شاهدا على الأبدية.. صحيح أن مثل هذه اللغة ليس لغة نقدية، ولا هي من قبيل ما تسجل به النظريات، وإنما هي لغة الشعر ذاته التي تريدك أن تعتقد ما تشاء من خلال وعيك وإدراكك للكلمات. فقد يجد الذاتي في هذه الظلال مجال ليقول ذاته عبر "انعتاق وتجلي" فيوحي الانعتاق بالتحرر من قيد خفي كان يكبِّل الذات ويحول دون إرادتها في أن تفصح وتجهر، أو أن تهمس وتشير. فإذا استطاعت أن تنعتق، تمكنت من أن تتجلى وتتكشف في كل هيئاتها وأحوالها. غير أن هذا النمط من الفهم قد لا يستقيم إذا حمل الشعر على عاتقه مشاكل الواقع القومي والمحلي، فذلك سيحوله سريعا إلى خطابَة سريعا ما تتخلص من اللغة الإشارية الهامسة لتركب الجهر والوعظ.
 إن الشاعرة التي أرادت أن توسع من دائرة الشعر، وأن تفتح مجالاته على التعدد، لا تجد في لغة الشعر سوى لغة البوح والتعرية. لغة الانبثاق والفيض،في ضرب من التحولات الصوفية التي تجعل المصطلحات تصب في معجمية خاصة، كثيرا ما يتفاداها النقد الأدبي لغموضها وتعدد وجوهها. والتي تنتهي سريعا بالقارئ إلى شاطئ الحيرة والتردد. ولنا أن نسأل الشاعرة عن مرادها من الأبدية.. هذه الكلمة التي زجت بها في نهاية هذه العبارة لتنهي بها كلاما لن ينتهي أبدا إذا ما عُولج بمثل هذه المصطلحات.
 إذا كنا قد لمحنا في حديث "حمر العين خيرة"مستويين: الأول مبني على لغة مباشرة تقول حقيقتها بحرفيتها التي يفهمها العامة من الناس، فإن المستوى الثاني استعاض عنها بلغة صوفية،جميلة الوقع، بيد أنها خالية من الدلالة النقدية، لأن في مستطاع أي كان أن يحمِّلها ما يشاء من دلالة تأويلا وتفسيرا. ولكننا مع الشاعرة "زينب لعوج" نقرأ لغة واضحة الدلالة، بينة المقصد، لا يمكنها أن تحمل إلا معناها الذي يرتسم على وجهها أولا.. إنها تجد الشعر:« هو اللغة المشتركة بين الناس التي لا تعترف لا بالحدود، ولا بالحواجز، ولا بالعرق، ولا بالجنس، ولا باللون. ديانة الشعر الأولى والأخيرة هي الحرية. وهي هذه القيمة العليا التي هي الإنسان، والعاطفة النبيلة، والمتسامحة والسخية التي يسكنها فينا. مع الشعر تنتفي الديانات، والثقافات، واللغات كلها تنصهر لتصبح الواحد المتعدد. لذلك يجب أن نوفر كل المنابر الممكنة لإسماع الشعر، ولقوله، ولغنائه، ولإنشاده، ولنشره.»([6]) وكأن الشاعرة "زينب لعوج " تتفق مع "حمر العين خيرة" وتتقدم عليها خطوة للمناداة بعالمية الشعر. فليس الشعر مقصور على فئة دون أخرى، ولا على شعب من الشعوب دون آخر. وأن المطلب الأساس في الشعر لدى هؤلاء وهؤلاء هو الحرية.. الحرية في القول..
 حينما ينتهي الناقد إلى هذه العتبة، يحق له أن يسأل نفسه، وأن يتريث عند دلالة الكلمات.. ما المراد بالحرية؟ كل الشعراء عبر اللغات والشعوب يقولون أشعارهم كيفما يشاءون.. يحترمون القواعد أو ينتهكون حرمتها.. ينسجون على منوال أو يتمردون عليه.. يجربون.. يحطمون القيود.. يصادمون الأذواق.. يخلخلون السائد والمستتب.. إنها حريتهم التي ينشدونها ويتلذذون بمرارتها.. فإذا كان هذا ما تقصده الشاعرة، فإن الحرية مطلب قديم أزلي، يستمر ما استمر الشعر في الألسنة. أمّا كان ذلك مجرد تحرر شكلي فقط لا يلامس إلا قشرة الشعر وهيكله، فما الحرية المطلوبة إذا؟ هل هي حرية ستطال المضامين؟ ليقول الشعر ما يريد، أم أنها حرية تجاوز المحظور، وتخطي الحدود، وانتهاك حرمة المقدس؟ ذلك ما تعاهد كثير من النقاد والمثقفين على تسميته بالتابوهات والمحرمات وفي مقدمتها: الدين، ثم الجنس، ثم السياسة.. إنها (ج،س،د) جسد الشعر الجديد الذي يحلو لهن عرضه على أسطر النصوص عرضا يتراوح بين الإشارة الخجولة والإعلان الفاضح. عبر اللغة.
 ترى الشاعرة " سعدية مفرح" أن ليس للشعر من مهمة أصلا! وتتساءل قائلة:« هل على الشعر فعلا أن يعبر عن مآزق الحياة والإنسانية؟ هل هذه هي وظيفته أو إحدى وظائفه؟ هل للشعر وظيفة أصلا؟ هل ينبغي أن تكون له وظيفة؟ هل على الشاعر أن يكون بطريقة أو بأخرى، وبدرجة أو بأخرى  مسئولا عن ملفات الحياة حوله؟. أنا الآن أصبحت مقتنعة أن الشعر ليس مسئولا عن كل هذا ولا ينبغي عليه أن يكون أصلا، ولعلنا نحمِّله ما لا تطيق رهافته وعفويته إن نحن فعلنا ذلك. لأنني لم أعد أؤمن بوظيفة خاصة أو عامة للشعر، ولا بشروط محددة له. يكفي الشعر أن يكون وحده هو القضية، وهو الهدف، وليس مجرد وسيلة جميلة لبلوغ أي هدف. جمالية الشعر تحميه من كل افتراضات مسبقة. لا ينبغي أن نضع الشروط ونؤطر الأطر، ونحدد القضايا للشاعر قبل أن يبدع القصيدة. عليه أن يكون نفسه وحسب وهو بصدد الشعر» ([7]) وكأن الشاعرة تعود بنا إلى نهاية القرن التاسع عشر مع دعوات "الفن للفن" التي رامت تخليص الفن من وظيفته والاحتفاظ بالجماليات المبهمة التي يترجمها كل فنان حسب مزاجه وهواه. فإذا تخلص الشعر من ملفات الحياة من حوله كما تسميها الشاعرة، فلم يبق له سوى مهمة اجترار ذاته.
 لقد أكثر شعراء الجيل الجديد الحديث عن الشروط المؤطرة للشعر، والمحددة له من دون تسميتها، وكأنهم يوهمون الناس بأن هناك طرف يصر على وضع الشروط والقيود في دروبهم وأنهم يتعثرون بها، فينشغلون في إزاحتها وتجاوزها. وإذا هم سئلوا عنها لم يسعفهم جواب صريح، ولم يجدوا بين أيديهم سوى ادعاءهم ذاك يرتد عليهم. فالشاعرة " سعدية مفرح " التي تتحدث عن الشروط والفروض والقضايا التي تحدد للشعر مسبقا، لم تفصح عن شيء منها. لأنها سريعا ما تعود لتخفي حيرتها في لغة مبهمة – على النحو الذي صنعته الشاعرات قبلها-لتقول قولا يملأ الفم ولا يشبع البطن. فما معنى قولها:" جمالية الشعر تحميه من كل افتراضات مسبقة"؟ لأننا ندرك أن لفظة "جماليات" من المصطلحات الغامضة الشاسعة التي تبتلع كل تعريف يروم الإحاطة بها. ثم ما هي الافتراضات المسبقة؟ من الذي يفترضها؟ ما هي سلطته؟ وما درجة تأثيره في الشاعر والشعر؟
 لن تستطيع الشاعرة أن تجيب، لأنها تدفع بمثل هذه الأقوال لترد عن سؤال يباغتها في لحظة غفلة، فتبحث في ذاكرتها عن مفهومها للشعر، عن وظيفته، فلا تجد سوى هذه اللغة الفضفاضة تتوارى خلفها، وتدس فيها حيرتها.. واسمع إليها تقول مباشرة بعدما نفت أن يكون للشعر من مهمة:« طبعا هذا لا يعني أن الشاعر يكتب من فراغ معرفي أو أخلاقي مثلا، بل كونه يعبر عن ذاته وحدها يعني أنه يعبر عن هذه الذات بكل مكوناتها المعرفية والأخلاقية، وبكل تاريخها في مراحله المختلفة. وهذا يحدث غالبا لحسن الحظ مع الشعر الحقيقي ومع الشاعر الحقيقي.» ([8]) فالشعر إذا لا يكتب من فراغ، وإنما هو تعبير عن ذات، وأن لهذه الذات امتداد تاريخ وثقافي وديني وسياسي.. وما شئنا من الامتدادات. وأن لها من الآمال والأحلام ما يجعل ملفاتها الحياتية ملفات حافلة بالتناقضات والأوهام والرؤى السديدة.. وأنها في كل ذلك لا تخبط خبط عشواء، وإنما تستند إلى معرفة تنير لها درب التحولات التي تسلكها. وأنها في تقلبها ذاك إنما تعبر عن قضية..
إذا لم تكن هذه السلاسل الممتدة من الذات إلى ما ترنو إليه في حاضرها مستقبلها من مهمات الشعر العظيمة، فأين هو الثقل الذي أرادت الشاعرة أن تحرر الشعر منه؟ إننا في فعل الكتابة أمام التزام أمام الذات والآخرين والتاريخ.. فكل حرف تخطه اليمين مشبع بحمولات ترتدُّ بعيدا في الماضي المشترك الذي تحتمله اللغة والثقافة والتاريخ في سيلها الهادر أبد الدهر. والذي ينكر على الشعر مهمته، يجب عليه أن ينفض يديه من كل هذا وأن يكتب في غيره.. أو فيما أسمته الشاعرة بالجماليات.. وليس يغفر للشاعرة سقتطها أن تزجي بين أيدينا رأيا آخر أشد غرابة حين تزعم أن هناك شاعر حقيقي وأن هناك شعر حقيقي،فذلك أمر يستدعي نقيضه. فهل كل من حمل الشعر قضية شاعر مزيف؟ إنها تسارع لتجيب قائلة:« لا يمكن أن نحرم الشاعر من كتابة قصيدة عن قضية لأننا لا نؤمن بوظيفة للقصيدة، أو لأننا ضد المباشرة والتقريرية في الشعر، أو لأننا لا نرى للشعر أي دور فاعل في الحياة. بل ما أقصده أن يكون هذا هو وظيفة الشعر، وهو دور الشاعر بدلا من أن يكون وسيلة للشعر وأداة للشاعر أحيانا.»([9]) إنه إذا دور الشاعر وليس مهمة الشعر! فكيف نوفق بين دور ومهمة يتعارضان في المبدأ؟ كيف يمكن أن نجعل الشعر محض جمال يتلهى بصنعته الشعراء، وفي نفس الوقت نرى له دورا في قضية من القضايا.
يبدو الخطاب النقدي النسوي كثير الاضطراب، كثير التشوش، لا يستقر على رأي. وكأن الشاعرات لم يكن في لحظة من اللحظات على وعي بحقيقة الشعر في جوهره، وإنما نظرن إليه من خلال وسائلية تتراجع من ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

صورة الأنا في مرآة الآخر

كتبها حبيب مونسي ، في 5 مارس 2011 الساعة: 21:36 م

 

 

صورة الأنا في مرآة الآخر

الأدب الشعبي ومخاطر تمثيل الأنا فلكلوريا.
أ.د.حبيب مونسي
1-تقديم:
كثيرا ما ينظر الناس إلى الأدب الشعبي في كل أشكاله العروضية والاحتفالية، على أنه ضرب من الثقافة المحلية التي يجب على الدارسين الاهتمام بها، من أجل تكريس الهوية، وتحديد الانتماء، وتعميق الصلة بالذات التاريخية والتراثية، من خلال تواصل الأجيال، واستمرار الأشكال، والألوان، والأفكار، والأذواق… غير أن الأدب الشعبي يطرح بين يدي الآخر مادة في غاية الخطورة حين يجعل الذات في جميع أحوالها تتمظهر من خلال حركات، وألوان، وأصوات، وأفكار، قد لا تكون لها صلة بالواقع، أو أنها توغل بعيدا في أعماق التاريخ فلا يكاد الواحد من أبنائها التعرف عليها أو استبانة أصولها.
وعلى هذه الخلفية تتشكل الصورة التي يبنيها الآخر عن الذات، وعن مستواها الحضاري، وعن وعيها للحاضر ورؤيتها للمستقبل. وكل المخططات العالمية اليوم إنما تسعى إلى استثمار هذه المعطيات من أجل تحويل الآخر إلى مستهلك، وأنها لا تتوانى في استخدامها من أجل ابتزاز الآخر من خلال تراثه.
إن فكر العولمة واضح في مطامحه، واضح في أساليبه، فحين يسمي سلعة من أفخر سلعه بأسماء محلية يسلبها من ثقافات محلية، لا يفعل ذلك حبا في هذه الفئة من الناس، وشغفا بهذه الثقافة دون أخرى، وإنما يفعل ذلك لأنه حدد مجالا اقتصاديا يسوق فيه مادته، وسوقا يعرض فيها سلعته.. وما يصدق على التجارة يجري على السياحة وغيرها..
 

2-الأدب الشعبي: الفن والاستهلاك:

يأخذ الاهتمام بالأدب الشعبي اليوم طابعا استراتيجيا بما له من صلة وطيدة بالعقلية التي أنتجته، والذوق السائد الذي يؤطِّر الحساسية الاجتماعية التي يتحرك فيها. ومن ثم كان الأدب الشعبي بهذه الصفات مرجعا ثرا لمميزات العقلية المنتجة والمستهلكة في آن. إنه الأمر الذي يفسر قيام مؤسسات عالمية تهتم بالآداب الشعبية في أطراف المعمورة. وليس القصد من ورائها دراسة الأدب الشعبي لذاته، وإنما الغرض في الكشف عن آليات التفكير التي تحكم العقلية التي أبدعته، وصاغت صوره، وحددت معانيه. إذ التحكم في هذه الآليات من شأنه تسهيل المرور إلى حقيقة الشعب المنتج، ومن ثم التعرف على أذواقه وأهدافه ومراميه. ذلك هو منطق العولمة الذي يسعى إلى خلق قابلية الاستهلاك في الشعوب الأخرى ما دام يعتبرها مجرد أسواق وحسب.
فإذا كان البحث في الآداب الشعبية يقوم على ترسانة متينة من النظريات والفرضيات، ويتمتع بعدد لا يحصى من المخابر والمدارس والدوريات،فإنه في خبيئة الرؤية التي يتّشح بها قريب الشبه بالدراسات الاستشراقية،التي مهدت الطريق أمام الموجات الاستعمارية التي عرفها العالم العربي والإسلامي. لأن نظرية مثل النظرية الوظيفية التي تأسست على يد العالم الأنثروبولوجي "فرانز بواز"وتلميذته "روث بندكت" ترى في الفلكلور:« حلقة وصل بين المأثورات الشعبية والأنثروبولوجيا. وتقوم هذه النظرية على رصد وظيفة الفلكلور في المجتمع سواء أكانت تعليمية، أم دينية، أم اجتماعية، أم ثقافية، فالفلكلور في رأي "بواز" مرآة عاكسة لطبيعة المجتمع، أما في نظر "بندكت" فهو وسيلة لخرق عادات وتقاليد المجتمع.» ([1]) والمفارقة بين الأستاذ وتلميذته يقف عند اعتبار الفلكلور مرآة عاكسة لطبيعة المجتمع، تعرض على الناظر صورة الفطرة فيه، أو صورة الواقع الثقافي الذي يتمح منه أصالته ومعاصرته. ومن ثم يتكشّف المجتمع أمام عين الدارس في أدق خصوصياته الحميمية التي تفصح عن طرائق التفكير، وألوان الاستجابات،وأبعاد الرغبات. وهو عند التلميذة وسيلة خرق أو اختراق لعادات وتقاليد المجتمع.
إن تعبير "روث بنديكت" أصدق من تعبير "بواز" لأنه يكشف حقيقة الفعل البحثي القائم وراء تقصي آداب الشعوب النامية، وغيرها من القبائل الإفريقية التي لا تزال تحتفظ بكثير من سيمات البدائية والبداوة، وهي تتربع على نطاق واسع من الأراضي ذات الثروات الطبيعية، التي يحدجها الغرب بعين جشعة. إنه الأمر الذي دفع بعدد كبير من الدارسين المدعومين من هيئات ومراكز ذات سلطة وقرار في الغرب لإجراء مثل هذه الأبحاث والدراسات: « فكثير منهم (علماء الفلكلور) صار يوجه عنايته نحو البحث في عادات وطبائع المجتمعات في الدول النامية.» ([2]) وهو توجه لا يمكن اعتباره دوما في سبيل العلم والمعرفة، فتلك نظرة ساذجة اليوم نظرا لما يحاك في الخفاء لمثل هذه الدول النامية زعما.
إن منطق الحداثة الغربية ورافد العولمة فيها ينفيان هذا الزعم، ويؤكدان البعد التسلطي القائم وراء هيمنة السوق ومنطق الاستهلاك. فإذا كان الغزو الفكري في مطلع القرن الماضي يسعى دوما إلى اختراق المنظومات الفكرية للشعوب، وإحلال نظرته للحياة والوجود، فإن منطق العولمة يسعى هو الآخر إلى اختراق الذائقة والخصوصية الشعبية ليستعملها ضد أهلها أداة تستحثهم على التبعية والاستهلاك. إنها تحول الموروث الشعبي إلى مادة للسياحة، وتوقف عجلة الزمن في الشعوب لتظل في ألوانها، وأثوابها، ورقصاتها، وأهازيجها البدائية، مثار دهشة ومتعة للسائح القادم من حضارة التكنولوجيا المعقمة.. إنها تعطيه فرصة التفرج على آخر لا يزال في دائرة انصرف عنها الزمن،وتناساها التاريخ، وتحول عنها التطور. إنها دائرة الفرجة التي تتحدد بمواعيد ومواسم،وتتأطر بأفكار الفلكلور والدراسات الشعبية.
 

3-التراث الشعبي: عودة البدائي:

 يهلل كثير من الدارسين العرب للتراث الشعبي، وينظرون إليه باعتباره عنوان هوية وانتماء. وأنه في ألوانه وأقواله خير دليل على الانتساب إلى الأرض والزمن. ويجعلون من دراسته ضربا من الأفعال الواجبة وجوب العين. وكأنهم يريدون أن يقاوموا صدامهم مع الأخر حضاريا بالعودة إلى هذه المخلفات الماضية لتُرفع شعارا في وجه عمليات تمييع الهويّات في آتون الأممية الجديدة والعولمة. وإذا سئلوا عن حقيقة ذلك كله، عادوا بالسائل إلى الغرب نفسه، وكأن الغرب لم يكن يوما إلا من خلال عودته إلى ذلك الماضي إحياء، وإلى ذلك التراث بعثا، وإلى تلك الألوان تميزا وعنوانا. ثم يبدؤون الدائرة من الإخوة "جريم"  بألمانيا.
 إن الحلقة المفقودة في هذه الدائرة العجيبة، تكمن في أن الالتفات إلى الموروث الشعبي لدى الغرب، والذي رافق الحركة الرومنسية في ألمانيا بالذات، لم يكن فعلا بريئا، خالصا لوجه البحث العلمي، والرغبة في استكتاب تراث الأجداد، وإنما كان الدافع وراءه تلك الرغبة التي حملها الرومنسيون للتنصل من أسر الكنيسة وطوقها، وإرادة التفلُّ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الكتابة الصحفية.من الإعلام إلى تشكيل الرأي العام.

كتبها حبيب مونسي ، في 6 يناير 2011 الساعة: 17:12 م

الكتابة الصحفية.
من الإعلام إلى تشكيل الرأي العام.

أ.د. حبيب مونسي.
 

1-تقديم:

        تقوم الكتابة الصحفية اليوم بدور من أخطر الأدوار التي تتقرر بموجبها كثير من التحولات التي تحرك العالم وتصنع وجهته. إذ لم تكن الكتابة الصحفية في يوم من الأيام كتابة محايدة، تقف عند عتبة الإعلام والتبليغ. بل الفعل المرتبط بها يجد في الامتدادات السياسية التي تغذيه، وتمده برؤيته الخاصة، ما يجعلها في يد الطبقة الحاكمة أشبه شيء بالمسبار الذي تعرف به حرارة الحراك الاجتماعي بما تبث فيه من رؤى، يكون الهم وراءها تحسس القابليات أو الرفض، أو الاتجاهات التي يمكن للفكرة أن تنسرب إليها في المعالجة والتقدير.
        وإننا حين نقف أمام المقال الصحفي، لا نقف في حقيقة الأمر أمام صفحة خالية من الكيد والمخاتلة، همُّها الأول في تقديم الخدمات التي تناط عادة بالعمل الصحفي، في رفعه الخبر إلى الرأي العام. بل نقف أمام رؤية تحاول أن تكيِّف فينا القابلية لوضع جديد. ومن ثم تكون الكتابة الصحفية، ليست كتابة إمتاع وإخبار، بل كتابة توجيه وتأثير. غير أننا لا نفكر إلا قليلا في الكيفيات التي تسلكها الكتابة للتأثير، ولا نتساءل عن المقادير التي تقيس بها الأشياء والأفكار. لأنها لا تعرض -في حقيقة الأمر- فكرا جديدا طارئا، وإنما تحاول –استنادا إلى توجهاتها الخاصة- أن تطرح جديدها في السياق الاجتماعي على نحو خاص، وكأنه الفكر الجديد.
        لذلك كان البحث في تقنيات الكتابة الصحفية، بحثا في المقصديات التي تجعل التقنية عاملا من عوامل التأثير والتوجيه. وإذا عدد الدارس الكيفيات التي يتوجب على المحرر الصحفي اتباعها لكتابة مقال يلبي كافة المطالب الفنية للكتابة الصحفية، فإنه يقدم فقط ورقة خالية من المعنى. لأن المقال الصحفي –على النحو الذي رأينا- لا تتوقف قيمته على الإجادة واتباع القواعد، بل تتوقف على مدى التأثير الذي يحدثه في القراء أولا، وعلى مدى الاستجابات المسجلة، سواء كانت استجابات استحسان ومشايعة، أو استجابات استهجان ونقد. لأن المقال الذي يثير، قد يبيت الإثارة والرفض، كما قد يسعى إلى اكتساب المؤيد المعاضد. فوظيفته ليست وظيفة جمالية بحتة – وإن كانت الكتابة الصحفية تتوسلها في كثير من العروض- بل وظيفة عملية تؤطرها الرؤية السياسية، أو التوجه الأيديولوجي والفكري.
        إن قياس درجات الاستجابة في التلقي سلبا وإيجابا، رفضا وقبولا، هي أوكد المعايير التي يلجأ إليها التقييم الصحفي. ومن ثم كانت الكتابة الصحفية، كتابة تتراجع دوما مبتعدة عن الأدبي، وهي تتلبس رداء الجدل والمناظرة، والوعظ.. إنها تعلم يقينا أن القارئ لا يبصر الكلمات التي يقرأ، وإنما يبصر الحراك الاجتماعي خلفها، وقد عصفت به المشكلات اليومية التي تثيرها التصرفات الشاذة، أو الأفكار والطرق البالية..
        فالذي يمسك المقال الصحفي بين يديه، يمسك يوما من أيام الناس، وقد توزعته الرغبة الاجتماعية، والتسيير السياسي. فبين هذا وذاك تقوم الاعتراضات التي تحاول الكتابة لصحفية تجاوزها من أجل إحلال فكرة، أو نقد، أو توجيه، أو تكييف.
 

2-المقال الصحفي، الزعم والحقيقة:

        يري "وولدروب غايل" "WOLDROP.GAYLE" أن المقال الصحفي هو الأداة التي تعبر بشكل مباشر عن سياسة الصحيفة، وعن آراء بعض كتابها في الأحداث اليومية الجارية، والقضايا التي تشغل الرأي العام المحلي والدولي. بيد أن هذا تعريف أولي، يكاد يكون سطحيا. وكأنه يتوجه به إلى العامة من الناس، ليكشف من خلاله عن الفكرة التي تقف وراء إنشاء المقال. فهو إما تعبير عن سياسة الصحيفة، وإما عرض لبعض أفكار أصحابها، وأن لغتها لابد أن تكون مباشرة \في الإفصاح عن وجهتها. وتحليل مقومات هذا التعريف يكشف عن كثير من المغالطات التبسيطية التي تشيع فيه على الرغم من وضوحه كثيرا من الغموض والإبهام. فما معنى سياسة الصحيفة؟ وأين نضع أفكار بعض أصحابها؟ أليسوا منها على رأي واحد؟ أم أن في وجهتها وسياستها من المتسع ما يسمح بالرأي ونقيضه؟.
        إنها أسئلة ترتد مباشرة إلى الكتابة ذاتها. فليست للفكرة من وجود فاعل إلا في الكتابة وبالكتابة. والكتابة وسيط له من الثقل ما يجعل مادتها تعطيك الوجه والقفا معا في ذات الآن. فإن أفصحت الكتابة عن رأي ووجهة وسياسة، فقد لا يكون في إفصاحها ذاك هدف التبشير بها بقدر ما يكون هدفها على النقيض منه، تلمس الردود التي تنشأ عن الكفرة المعروضة. إنها الحقيقة الكتابية التي تجعلنا لا نسلم بهذا التعريف تسليما مطلقا. بل نرد فيه ما أضافه المؤلف في أدوار المقال، حين قال: أنه يشرح، يفسر، يعلق، يكشف عن الأبعاد والدلالات المختلفة. وهي ألفاظ يدفعها المؤلف في حديثة،وهي يعي عنها ما تحبل به من أبعاد حقيقية، إلا أنها في فهم العامة توحي بظاهرها. وكأن المقال ما أنشئ إلا ليكون رافد معرفيا للناس، يمدهم بما هم في حاجة إليه من فهم وفقه.
        غير أننا حين نقف أمام "الشرح" "EXPLICATION" ينفتح أمامنا مجال القضية التي يعتريها شيء من التعقيد، فتكون في حاجة إلى إضاءة داخلية، تبدد فيها جيوب الظلمة والوهم. والشرح بعد هذا لا يضيف شيئا جديدا للقضية. إنه فعل محايد، يلتزم استبدال الكلمات الغامضة بأخرى أكثر وضوحا وفهما. إلا أن "التفسير" "INTERPRETATION" يختلف عن الشرح في ابتعاده عن الظاهر، وابتغائه الفكرة التي تؤسس القضية. وعليه يكون التفسير بمثابة الرأي الذي يضاف إلى القضية المطروحة. وم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتبها حبيب مونسي ، في 6 يناير 2011 الساعة: 17:08 م

 

 

النقد العربي الحديث

الوهم والواقع
أ.د. حبيب مونسي
تتعثر القراءة لسيرورات النقد العربي على أرضية متكسرة تتفاوت فيها النتوءات والطيّات، فتجعل منها أرضا حزونا، يصعب فيها السير، ويكثر فيها التلفت يمنة ويسرة لتحديد معالمها. ذلك أن :" النظريات النقدية على اختلاف مبادئها الفنية ، وتضارب أسسها الفلسفية، إنما ظهرت في فترات متقاربة بحيث يصعب الفصل بينها .إذ لا يمكن تحديد الفترة الزمنية التي سيطرت فيها نظرية التعبير، وأن الاتجاه التأثيري عرف إلى جانب نظرية التعبير الذاتي، نظريتين أخريين هما: التعبير الاجتماعي ونظرية التعبير الموضوعي. كما يصعب تحديد التاريخ الذي اختفت فيه هذه النظرية. "(1) وكل فصل تعسفي بينها إنما هو من قبيل التشقيق المدرسي الذي يقتضيه المنهج الوصفي أثناء سرد "قصة النقد العربي". بيد أن الأمر يختلف نوعا وكيفا عندما يتعرض الناقد الغربي لنفس العملية. لأن الحيثيات الفلسفية والفكرية هي التي نسجت سدى كل نظرية في الحقل النقدي. تستمد منها شرعية الوجود، قبل أن تنحت منها أدوات القراءة الفعّالة. والتي تمكن لنفسها أبعادا فلسفية واجتماعية وعلمية. فلا تكون مجرد أدوات يختلقها الناقد بعبقريته، بل تمليها عليه طبيعة الفهم والتصور العام ويقتضيها النص.
       لقد أوجد تزامن الوجود الفلسفي/الفكري السائد مع النظريات، عمليات إخصاب وتخصيب سريعين، تبلغ من خلالهما النظرية أوج قوّتها في المدى القصير، وفق قانون الأخذ والعطاء المتبادل بين التصور الفلسفي المجرد والإجراء التطبيقي الذي يحيل نتائجه تباعا على السياق الفلسفي ليغنيه ويفتق حدوده ويجدد حيويته. حتى فضلت بعض الفلسفات أن تجعل تجليها المعرفي في حقل الأدب كلية بدل أن تذهب به إلى مدارات التفلسف الجافة، شأن الوجودية.
وقد أتاح "التزامن" للدرس إمكانية سبر أغوار النظريات، والوقوف على الفوارق بين المعطى الفلسفي والإجراء التطبيقي، ورصد الانحرافات، بل ورصد تحولات المعطى الفلسفي من خلال تحولات الإجراء التطبيقي لارتباط هذا الحقل بذاك ارتباطا عضويا، شأن التحليل النفسي وتحولاته النوعية عند تلامذة "فرويد" على الخصوص. ولنا أن نقدم هذه الرسمة للكشف عن سيرورات النقد الغربي على محوري التزامن و التعاقب.
-نظرية المحاكاة Théorie D’imitation فترة هيمنة الفكر الكلاسيكي.
-نظرية التعبيرThéorie D’expréssion  -فترة انتشار الفلسفة الوجودية.
-نظرية التصويرThéorie de représentation فترة ازدهار الفكر العلمي الوضعي.
-نظرية الخلق اللغويThéorie de la création linguistique فترة التخصص العلمي الدقيق، وسيطرة المناهج التحليلية. (2)
       فمبدأ التعثر في القراءة العربية يرتد في مطلع القرن الماضي الذي سادته تعاليم المدرسة الواقعية بشقيها النقدي والاشتراكي، على المستويين: الفكري والأدبي، إلى المدرسة الرومنسية الآفلة. فانزاحت عن الركب الزمني، وتخلّفت عن الموكب الفكري، وقنعت بالتبعية والتأخر، والعيش على ثمار اعتراها الذبول والتعفن. ويعود :" السر في هذا الارتداد إلى ملاءمة الفكر الرومنسي للمرحلة التاريخية التي كان المجتمع العربي يمر بها، وهي مرحلة استرجاع الوجود الذاتي بأبعاده الثقافية والاجتماعية والسياسية."(3)
       ربما كان هذا التعليل مقبولا إذا نظرنا إلى المخاض الفكري الهائل الذي عاشه الغرب في مطلع القرن الماضي، وتلاحم أرضيته الفكرية والأدبية، فصعُب على العرب تمثُله وإدراكه، والخوض فيه. إلاّ أن الارتداد إلى الماضي الفكري بهذه الصورة خلخل تعامد المحورين التزامني والتعاقبي، فأضحت النظريات الوافدة من منظور التصورات الحداثية- مبتوتة الصلة عن روافدها الفلسفية. مما جعل مهمة الوصول إلى كنهها "النووي" المفعّل لها أمرا متعسرا، يكلف الباحث العربي قراءتين متوازيتين على الأقل: سياقية ونسقية. قراءة فلسفية مشحونة بالتناقضات التي أفرزتها المعارك الفلسفية بين ماضي الفكر وحاضره حينذاك، وبين التحولات الداخلية التي سايرت كل فلسفة في تشكلها الداخلي أخذا وعطاء، وطرحا وتجاوزا وتلونا. وقراءة للإجراء وهو يصاحب كل ذلك ويماشيه رافدا خصوصية القائمين عليه من أساتذة وأتباع وخصوم. فلا يدري القارئ أين ينتهي الأصل ليبدأ الفرع، وأين يتفرع هذا الأخير لتشكيل مشتلة تحمل في جيناتها عوامل تحولها إلى "شيء" جديد تتلاشى في قسماته الوراثية ميزات الانتماء. فتغدو الفراسة ضربا من المجازفة المضلة المضللة.
إن ازدواج القراءة العربية اليوم، وتراقصها على حبلين مشدودين إلى ماض الغرب، يجعل المطلب الحداثي أمرا مستحيلا، تعترضه عقبة الزمن، وتحول دون فكاك عقدته. وكل تصور للق

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الحياد- والتعبير- والتكييف- والتمرد

كتبها حبيب مونسي ، في 24 ديسمبر 2010 الساعة: 20:52 م

 الحياد- والتعبير- والتكييف- والتمرد  

نحو طريقة عملية لقراءة الصور

أ.د.حبيب مونسي
 
1-كلمة لابد منها:
قد يجد الباحث نفسه في كثير من القضايا أمام سبيلين لمعالجة موضوعه: إما أن يأخذ بالجاهز المنتهي الذي تقع عليه الأيدي في كل كتاب، ومجلة، ومقال، وإما أن يقف في الطرف الآخر فلا يأخذ من تلك البحوث إلا المعرفة العامة التي تتيح له إلقاء نظرة شاملة على الجهود التي أنفقها الدارسون في هذا الحقل أو ذاك. ثم يدلي بدلوه فيما أثاروه من أفكار وما طرحوه من قضايا، وما عرضوه من حلول.. والذي يسلك السبيل الأول ليس له من الجهد إلا الجمع والتصنيف، وربما انتهى إلى شيء من الرأي أخيرا. غير أنه الرأي الذي تشكل في إطار معرفة غيرية تلقاها مما جمع ورتب. وأن الرأي الذي يخرج به ليس رأيه أصالة، وإنما هو من قبيل الخلاصات الجاهزة التي ينتهي إليها كل من سلك منهجه. أما الثاني فسبيله المغامرة التي تطوح به بعيدا عن الطريق المعبد المهيأ،وتجعل سيره ضربا من الفتح في كل خطوة يخطوها. غير أن ما يصل إليه لن يكون دائما عين الحق الذي يبحث عنه، بل قد يكون ضربا من التضليل يضاف إلى ما قيل من قبل في الموضوع، وقد يكون فتحا جديدا ينعطف بالدرس إلى وجهات جديدة ما كان للبحث أن يصل إليها لولا المغامرة، والإصغاء إلى نداءات الذات في تحسسها لعناصر الموضوع.
ذلك ما يثيره موضوع الصورة حين يقبل عليه الدارس، منقبا فيما كتب ونشر من مقالات وبحوث، تحمل في عناوينها إغراء المنهج الجديد، والرؤية المستجدة، والطرح النفسي،والاجتماعي، والأنثربولوجي، والسياسي، والاقتصادي، وغيره… وكأن الظاهرة الجديدة قد تمت محاصرتها من كل جانب، وأن هذه المداخل المعرفية كفيلة بأن تعطينا القول الفصل في الموضوع. وربما كان من المجدي قراءة قوائم المصادر والمراجع التي تذيل كل بحث، فتجد فيها الرأي الذي يبدأ من "أرسطو" لينتهي إلى آخر باحث في الإشهار وعلوم الاتصال. وكأن الصورة لم تغب عن حاضر الإنسان لحظة من اللحظات،وأنها في عينيه وأحاسيسه ولغته، لا تنفك من التشكل في هيئات مختلفة، وتتلون في وضعيات لا متناهية.
إذا فهي ليست بالموضوع الجديد، ولا الظاهرة الطارئة في حياة الناس، حتى يضج لها أهل المشرق والمغرب، ويجعلون عصرهم عصر الصورة بامتياز.. أم أن شيئا في الصورة قد تغير فأحدث فيهم هذا الهلع الذي نشهده في كل قول وكتابة!. إنها اليوم تهدد فيهم شيئا لو قدِّر له الاختفاء لانتهت إنسانيتهم نهاية لا رجعة فيها!.. نعم ذلك هو مبعث الهلع في كل الدراسات.. شيء ما يتوارى.. يتراجع.. يختفي وراء سطوع الصورة وتألقها!.
هل يشمل التهديد والخوف الذي تثيره الصورة عامة الناس شرقا وغربا؟ أم أنها تخص طائفة من الناس لهم بها وثيق الصلة، فانقلبت عليهم مثلما ينقلب السحر على الساحر، أو مثلما يفعل العبد الآبق الذي يدفع شر سيده بشر مثله أو أشد منه.؟ فإذا قسمنا العالم إلى شطرين: شطر مستهلك ليس له من الأمر شيء إلا استقبال المادة والاستزادة منها. وهم الغالبية من الناس. وشطر منتج يسخرون الصورة من أجل أهدافهم ومراميهم، يستعملونها سلاحا لإثارة الغرائز، وفتح أبواب الشهوات،تحفيزا وتكييفا، دعاية وإشهارا، وهم قلة قليلة تتربع على عرش المال والأعمال.
إننا في عالم الصورة، لا نقسم العالم إلى أقطاب سياسية وأيديولوجية، وإنما نقسمه إلى قطبين: مستهلك ومنتج.. ثم تأتي السياسات والأيديولوجيات من وراء ذلك لتعزيز الرؤى والتوجهات التي ينتهجها المنتج في استنزاف الطاقات، وتلويث الفضاءات،وخلق أفواه دائمة الجوع للاستهلاك الذي يتصاعد بتصاعد وتيرة الإنتاج. فالذي كان يرى العالم قائما على أفكار ورؤى دينية،أو قومية، ثم على أيديولوجيات وتوجهات سياسية، ثم قطبا أحادي التوجه، عالمي الهيمنة، ولا يرى من وراء ذلك وقوع البشرية في قبضة سماسرة المال والإنتاج، فهو راءٍ لا يمكنه أن يعرف مقدار الهلع الذي تحدثه الصورة اليوم في قلوب هذه الطائفة بالذات، والتي تسارع إلى حجب الصور والتدقيق فيها قبل إخراجها للاستهلاك العام. غير أنها تعلم أنها ترتدُّ عليها محملة بما يفضحها، ويفشي حقيقتها أمام الرأي العام.
إنها الرؤية التي نحاول إخراجها في هذه المقالة من خلال المحطات التالية:
1-الصورة: التمثيل والحياد.
2-الصورة: الرسالة والتعبير.
3-الصورة: التدجين والتكييف.
4-الصورة: التجاوز والتمرد.
إنها الخطوات التي تحاول كتابة تاريخ جديد للصورة، لا يغترف مادته من التوالي الزمني ومراحل التطور، وإنما يتوقف أساسا عند وظائف الصورة وتحولاتها من خلال الإنتاج والتلقي، والتأثير والأثر.
2-الصورة: التمثيل والحياد:
   ثلما قام الفن في خطواته الأولى على المحاكاة واستمر كذلك إلى نهاية القرن السابع عشر تقريبا لدى الغرب والشعوب الأخرى ، استمرت الصورة المرسومة في تمثيل موضوعها تمثيلا أمينا حد الاستطاعة والمهارة، وكانت فكرة التطابق هي أسمى المراتب التي يطمح إليها الرسام، فكانت الصورة بذلك تأخذ مفهوم "التمثيل" "image" الذي لا يدعي أبدا أنه يطابق موضوعه مطابقة كلية، وإنما يسعى إلى نقل تمثيل له عبر الصورة. وكأن الهدف الأول والأخير من إخراج الصورة إنما ينتهي عند حد تمثيل الموضوع وحسب، ولا يتعداه أبدا، بل ليس له من طموح إلا ذلك العرض الأمين المحايد.
   لقد عززت فكرة المحاكاة هذا المنطلق في الفن، وأرست له القاعدة النظرية والجمالية التي استند إليها في كافة الفنون،فكانت الصورة اللفظية،والصورة الفنية،والنحتية، والمسرحية.. كلها تدور في فلك المحاكاة التي ترجع موضوعها إلى التمثيل والتقريب. ومعيار جودتها لا ينفك لصيقا بالموضوع الذي تعرضه. ولم تكن الصورة الفوتوغرافية في نشأتها بدعا من ذلك التوجه العام. فقد اجتهد أهلها في تأكيد المحاكاة، حتى وإن اضطرتهم التكنولوجيا البدائية للمصورة إلى إجبار الموضوع على الوقوف لساعات أمام العدسة المفتوحة على ضوء الشمس الساطع. وهي الهيئة التي تعيد لأذهان جلسات التصوير أمام الرسام لساعات، في وضعيات خاصة، وفق زاوية نظر محددة.
   لقد كانت نظرية المحاكاة صادقة في إدعاءاتها، فلم تزعم في يوم من الأيام أنها تسعى إلى المطابقة الكلية للموضوع، وأنها ستجعل الدال هو عين المدلول في لغة اللسانيين، وإنما ركزت على التمثيل الذي يتراجع درجات عن موضوعه. فإذا زعمنا أن الصورة الفوتوغرافية تقوم هي الأخرى على المحاكاة ليكون الدال فيها عين المدلول، وتفوز في نهاية المطاف بالحياد التام الذي تتجرد فيه من الإنساني الخاص في كل رسم وفن،فإننا نفعل ذلك لأننا نستثني منها جملة السياقات التي تصاحب نشأتها.. تلك السياقات التي تقدم لنا الموضوع وهو يستعد للصورة فيختار المجال الذي سيظهر فيه، والملبس الذي سيتزين به، والهيئة التي سيطل بها على العدسة، جالسا، أو واقفا، أمام مكتبته، أو في باحة بيته، أو متجره.. وكأن الموضوع يملي على الصورة طبيعة المعنى الذي يجب عليها إخراجه فيها.
   هل يكون حيادها في تجسيد رغبة موضوعها فقط؟ لقد كان في فن الرسم تجاذب بين ما يريده الموضوع، وما يستطيعه الفنان. أما في الصورة فإننا نعرف القدرة التقنية للآلة ونظمن فيها الدقة، ونعرف ما يريده الموضوع لذاته في الصورة. لذلك قال "رولان بارت" "Roland Barthes" عن الصورة:« لقد أردت أن أعرف ما هي في ذاتها، وأي السيمات تميزها عن مجموع الرسومات» ([1]) ومعرفة الشيء في ذاته تجريد له من وظائفه قبلا وصولا إلى حقيقته الأنتولوجية مثلما يقولون. ساعتها سيطرح سؤال آخر يتعلق بالتصنيف. أي في أي خانة يتوجب علينا وضع الصورة لنفهمها أكثر؟
   إن الرسم نشاط فني يحتاج إلى وسيط لتجسيد رغبة الفنان. وهو التعريف الذي قدمه "جيروم ستولنيتز" حين تحدث عن المادة  باعتبارها" وسيطا" "Médium" يقع بين " الرّغبة" و"الفعل" . ذلك أنّ الرّغبة تحدّد المرامي، وتبيّن الهيئة التي يصبو إليها العمل الفنّي، والفعل إنجازٌ وتحقيقٌ لها تدريجيا في المادّة.([2]) بيد أن الصورة لا تقدم شيئا من ذلك الترتيب الذي يتحدث عنه "ستولنيتز" والمصور فيها "عامل" فقط، قد يتدخل في إصلاح شأن الموضوع، مستجيبا لمتطلبات الصورة: من ضوء، وبعد،وزاوية، وفق خواص آلته. وتلك هيئة تبعده عن هيئة الرسام في معمله، حينما يقابل لوحته من جانب وموضوعه من جانب آخر،فيركز أساسا على المعاني التي يجب على ألوانه أن تحملها للمشاهد. إنه يختزل موضوعه إلى المهم الذي يشد الانتباه، ثم يقوم بتعمية الخلفيات التي لا تتغاضى عنها أبدا آلة التصوير. فإذا كان الرسام يختزل ويختار من موضوعه، فإن الآلة تنقل كل شيء عن موضوعها نقلا أمينا كما تراه في واقع الحال. لأنها إنما تقتطع من الدفق الحياتي الجاري لحظة واحدة تثبت فيها حركة في هيئة واحدة، وتخرجها من تيار توالي الأحداث ومجرياتها. إننا حين نشاهد الصورة إنما نشاهد في واقع الأمر "زمنا" تم إيقافه في لحظة مجسدا في هيئة، يمكن استنساخها فيبعد.
   لقد شعر "بارت" بهذا الحرج حين قال:« إن ما تنتجه الصورة إلى مالا نهاية، لم يحدث إلا مرة واحدة: إنها تعيد ميكانيكيا الذي لا يمكن إعادته وجوديا، وفيها لا يتحرك الحدث إلى شيء آخر.» ([3]) وكأننا إزاء الصورة نشهد وجود عالمين متوازيين: عالم الأحداث في تواليها وتواترها وجريانها في الزمان والمكان، وعالم الصور الثابتة التي توقف الحدث عند نقطة معينة. وجماع الصور يوحي بعدد من اللحظات التي لا رابط بينها دلاليا، حتى وإن كانت مرقمة ومؤرخة. لأن لكل صورة زمنها الخاص الذي انطوى على تعبير خاص، وحمل في ثبوته مسحة عابرة ما كان للعين أن تحتفظ بها لولا ذلك التثبيت الدقيق لعين الآلة. إنها تتعامل مع السوانح ذات اللحظ الخاطف الذي لا يمكن إرجاؤه ولا العودة إليه، كبريق خاص في نظرة خاطفة.
   فالحياد إذا وهم يضاف إلى الصورة حينما نعتقد أنها أمينة فيما تمسكه من عناصر، أمينة فيما تعرضه من ألوان وهيئات. غير أنها حينما تعطي للعين البشرية فرصة تملي الصورة والتدقيق في اللحظة المسجونة في الورق، تكشف عن بعد تعبيري ينفتح على القراءة والتأويل، وتصبح به الصورة التي التقطت لتسجيل حادث تسجيلا محايدا، طرفا في معادلة دلالية عامرة بالأحاسيس والمعاني، قد تتجاوز في قدرتها التأثيرية كل النيات التي صاحبت عملية التصوير الأولى.
2-الصورة: الرسالة والتعبير:
   إننا كلما عدنا إلى الصورة، وتجاوزنا فيها الإطلالة العامة التي نتعرف من خلالها على موضوعها،واقتربنا قليلا لنبحث فيها عن العنصر المهيمن الذي يحتل من الصورة فضاء وحجما، يتصدر به العناصر الأخرى التي تتراجع لتقوم بمهمة التأثيث سدِّ الفراغ،تبين لنا أن المنظور الذي تعرضه الصورة، والزاوية التي تحددها الرؤية، ترفع العملية التصويرية من مجال الالتقاط العبثي إلى مجال الرؤية المحملة بالدلالة. ومن ثم يتحتم على متلقي الصورة أن يفرق بين وضعيتين لها: وضعية التعيين التي تشير فيها الصورة إلى موضوعها،ووضعية الإيحاء التي تتحرك فيها عناصرها استجابة للقراءة والتأويل. وأخيرا أين ينتهي التعيين؟ وأين يبدأ الإيحاء؟
   لقد كان "التعيين" و"التضمين" (الإيحاء) من المصطلحات التي اعتمدها "بارت" في جهازه المفاهيمي لمحاورة الصورة: «آخذا مصطلحي التعيين والتضمين كقطبين ووظيفتين مهمتين في سيميائية يالمسلاف،فإذا كانت "الوظيفية التعيينية" تطرح سؤال ماذا تقول الصورة؟ والتي ستجيب عنها القراءة الوصفية،فإن "الوظيفة التضمينية" (أو الإيحائية) ستطرح سؤالا إجرائيا وتأويليا،وهو كيف قالت/تقول الصورة ما قالته/تقوله؟» ([4]) وهما ما يطرح عادة على كل فن من الفنون. غير أن في تاريخ التلقي للفنون الأخرى تجارب تراكمت من خلالها الرؤى والنظريات،واختلفت من خلالها المقاربات، فكان من نتاجها ما يعرفه الفكر النقدي عبر مراحله وأعصره، تصب فيه كل حين تجارب أخرى تستند إلى فتوحات المعارف الإنسانية المتاخمة للفن، والتي تغني حقوله كل حين. بيد أن تلقي الصورة لم يحظ بها الفيض من التجارب، وفي غمرة التسارع الميكانيكي للصور قد لا يجد المتلقي فرصة الانتقال من التعيين إلى التضمين، وأن الصور حين تغمره يشعر إزاءها بما يشعر به ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

خطاب السرد

كتبها حبيب مونسي ، في 5 ديسمبر 2010 الساعة: 21:55 م

 

 

خطاب السرد

 
قصة قاضي البصرة للجاحظ
 
           احتل الوصف في الكتابات القديمة مكانة جليلة القدر، بالغة الأهمية، حين أوكلت له الكتابة مهمة نقل القارئ إلى حضرة الموضوع نقلا يتخطى الزمان والمكان، ويتيح المعاينة التي لا تغيب عنها الحركة الدقيقة التي تنتاب الموضوع الموصوف. غير أن الوصف لم يكن أبدا محايدا، خاليا من الكيد بالقارئ والموضوع معا. وكأن الكتابة في حد ذاتها تبييت لقصد، سواء توسلت الوصف أو غيره. وعليه فإن خطابها الخاص لا بد له أن يجد في الوصف مجاله المفضل الذي يحرك فيه عناصره الدلالية. وكلما أعدنا قراءة كتابات "الجاحظ" الوصفية، كلما بدت لنا الوظائف التي تحدثنا عنها من قبل فاعلة في صلب الكلمات المختارة، والعبارات المنسوجة، والرؤية التي تكتنف الوجهة التي يسعى إلى تحقيقها الفعل الإبداعي في أثره. نختار منها نصا يستوفي حقيقتها من "الحيوان" في وصف "قاضي البصرة":
 « كان لنا بالبصرة قاض يقال له "عبد الله بن سوار"، لم ير الناس حاكما زميتا ركينا، ولا وقورا حليما، ضبط من نفسه وملك من حركته مثل الذي ضبط وملك. كان يصلي الغداة في منزله وهو قريب الدار من مسجده. فيأتي مجلسه فيحتبي ولا يتكئ. فلا يزال منتصبا لا يتحرك له عضو، ولا يلتفت ولا تحل حبوته، ولا يحل رجلا على أخرى، ولا يعتمد إلى أحد شقيه. حتى كأنه بناء مبني، أو صخرة منصوبة. فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى صلاة الظهر، ثم يعود إلى مجلسه فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى صلاة العصر، ثم يرجع لمجلسه فلا يزال كذلك حتى يقوم لصلاة المغرب، ثم ربما عاد إلى مجلسه. بل كثيرا ما كان يكون ذلك إذا بقي عليه شيء من قراءة العهود والشروط والثائق، ثم يصلي العشاء وينصرف. فالحق يقال لم يقم في طول تلك المدة والولاية مرة واحدة إلى الوضوء، ولا احتاج إليه، ولا شرب ماء، ولا غيره من الشراب. كذلك كان شأنه في طوال الأيام وفي قصرها، وفي صيفها وفي شتائها. وكان مع ذلك لا يحرك يدا ولا عضوا، ولا يشير برأسه، وليس إلا أن يتكلم فيوجز، ويبلغ باليسير من الكلام إلى المعاني الكثيرة.» ([1]
          تتألف قصة "القاضي البصري" من مشهدين اثنين، يمثل "السكون" الحيثية التي يشيعها الوصف في المشهد الأول، بينما تمثل "الحركة" الخلفية التي ينشأ عليها الوصف في المشهد الثاني. وكأن "الجاحظ" بحسه الفني المرهف، يدرك أن المتلقي حين يواجهه سيلا من الأوصاف التي تمكِّن السكون من الاستتباب، يتطلع إلى ما وراء السكون.. إلى الحد الذي سينتهي إليه، فينقلب حركة. وكلما أمعن "الجاحظ" في وصف السكون، بما حشد له من صفات، كلما كان انتظار التحول المفاجئ فيه ضرب من التوقع الذي لا بد له من التحقق إن عاجلا أو آجلا.
           إن هندسة الخبر التي أقامها الواصف على مشهدين فقط، تجعلنا نتساءل عن الكيفية التي حقق بها الانتقال من السكون إلى الحركة، من غير أن يفقد الخبر طرافته. إذ الغرض القائم وراءه -في مقصد الكاتب- تصوير الطرافة التي تخرج بالأمر العادي من اليومي العابر، إلى الخبر الملفت للانتباه. والذي يمكن أن يؤول لاحقا ليتخذ أبعادا ثقافية وفكرية بالغة الأهمية والخطورة معا.
           أقام "الجاحظ" المشهد الأول على الهندسة التالية:
 1- الإطار المكاني للمشهد.        البصرة.
2- الإطار الزماني للمشهد.        لنا. أي في أيام الجاحظ.
 3- موقع القاضي من الناس.زميت (جليل، وقور) ركين (الثابت، الرزين) حليم، ضبط نفسه ضبطا.
 4- آيات السكون في القاضي.  يحتبي، لا يتكئ، يظل منتصبا، لا يتحرك له عضو، لا يلتفت، لا تحل حبوته، لا يحل رجلا على أخرى، لا يعتمد على أحد شقيه، بناء مبني، صخرة منصوبة،
 5- السكون في الحركة. يقوم إلى صلاة الظهر ثم يعود إلى مجلسه. يقوم إلى صلاة العصر ثم يرجع إلى مجلسه. يقوم لصلاة المغرب ثم ربما عاد إلى مجلسه.فلا يزال كذلك..
 6- السكون في السكون. كان شأنه في طوال الأيام وقصارها.. لا يحرك يدا، ولا عضوا، ولا يشير برأسه، وليس إلا أن يتكلم فيوجز، ويبلغ باليسير من الكلام إلى المعاني الكثيرة.
 إن إصرار "الجاحظ" على تتبع آثار السكون في القاضي وأحواله، يجعلنا نلتفت من الفكرة التي يحملها الخبر عن القاضي إلى "فكرة السكون" والثبات التي ألزم القاضي بها نفسه. وكأنها هي البؤرة التي يتأسس عليها الوصف أولا وأخيرا. فليس المقصود في الخبر "عبد الله بن سوار" وإنما المقصود هو "الهيئة" التي تتشخَّص من خلال سلوكه ذاك. ومن ثم يكون انتظارنا الذي يمليه علينا الحشد البيِّن لآيات السكون في المشهد، انتظار يتجاوز القاضي إلى ما سوف يعتري السكون المجسد في أحواله. تلك هي الفكرة التي يتأثَّث بها المشهد في كل عنصر من عناصره.
 
 
         وإذا حاولنا تطبيق بعض الرؤية التي أطرنا بها المشهد لقياس الهيمنة في المشهد، لم نجد للقاضي من حيز سوى بعض الجمل التي أخبرتنا عن اسمه، ومدينته، وزمانه، وأخلاقه.. في حين انصرف الوصف إلى أحوال تتصل بهيئته في إطار السكون ذاته. وكأن القاضي عنصر من عناصر السكون وحسب. وليس الخبر الذي يرفده المشهد، متعلق بالقاضي في شخصه المسمى، بل الخبر للسكون الذي يمثله القاضي في جلسته تلك. وإذا شئنا أن نقرب المسألة مما نريد أكثر، قلنا أن القاضي في هذا المشهد عنصر ثانوي، يقع في درجة تالية بعد الوصف نفسه. فالوصف يحتل الدرجة الأولى المهيمنة في المشهد. فالقاضي -في نفسه- يلتزم الوقار والسكينة، ولكنه في عين الواصف ليس إلا صخرة أو بناء. أي أنه السكون المجسد في هيئة خاصة.
          هذه الرؤية تفسر لنا إصرار "الجاحظ" على تتبع آيات السكون وعرضها على نحو يثير الغرابة والتعجب في القارئ. ولا يكتفي "الجاحظ" بها على كيفية واحدة، وإنما يجعلها حركة في السكون، حين يصف قيام القاضي للصلاة: ظهرا، وعصرا، ومغربا.. فلا ينوع لها الصياغة التعبيرية، بل يحافظ على صياغة واحدة رتيبة، ذات صلة واحدة: "فلا يزال كذلك" "ثم يعود إلى مجلسه"

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي



 هنا مدونتي الأخرى

روضة الآداب

فضاء للمقالات والأفكار في شتى الميادين الثقافية

http://rawdataladaab.blogspot.com/